فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 581

ثمَّ تذكيرُ الإنسانِ بِأَصْلِهِ وَضَعْفِهِ، وكم لله عليه مِنْ نِعَمٍ عَظِيمَةٍ في خَلْقِهِ، وأنَّ اللهَ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ يَابِسٍ له صَلْصَلَةٌ.

وَبَيَانُ خَلْقِ الجانِّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ؛ أي: مِنْ لَهَبِ النَّارِ. وكم لله عليهم مِنْ نِعَمٍ عَظِيمَةٍ في خَلْقِهِمْ!

ثمَّ تناولت السُّورَةُ نِعْمَةَ الله على عباده بِتَسْيِرِهِمْ في البرِّ والبحر، وهذا شَيْءٌ مُشَاهَدٌ.

ثمَّ تحدَّثت السُّورةُ أنَّمِنْ نِعَمِ اللهِأنَّهُ جَعَلَ لهذه الحياة حدًّا ونهايةً لهذا العَالَمِ، وأنَّ كلَّ مَنْ على ظهر هذه الأرض مَصِيرُهُ إلى الفناء؛ لِيَنْتَقِلَ أَهْلُ الإيمان إلى الجنَّة، وَأَهْلُ الكُفْرِ إلى النَّارِ، وأنَّ البَاقِيَ هو وَجْهُ الله- تعالى- وَحْدَهُ.

وتحدَّثت السُّورةُ عَنْ بَعْضِ أَهْوَالِ القيامة؛ {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَان} ؛ أي: نحاسبكم على أعمالكم، وفيها تَهْدِيدٌ بسوء عاقبة المكذِّبين، وَبِشَارَةٌ بِحُسْنِ عاقبة المؤمنين.

وَخُتِمَتِ السُّورةُ بِبَيَانِ الفَرْقِ بَيْنَ الحياة الفانية، والآخرة الباقية، وما في الجنَّة من النَّعيم المقيم، وما في النَّار من العذاب الأليم.

قوله: {الرَّحْمَنُ} .

أي: ذو الرَّحمة الواسعة، وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كلَّ شَيْءٍ، فَشَمِلَتْ نِعَمُهُ جَمِيعَ المخلوقات؛ مُؤْمِنَهُمْ، وَكَافِرَهُمْ.

افتتح اللهُ هذه السُّورةَ بِاسْمٍ من أسمائه متضمِّنٍ للرَّحمة، وهي صِفَةٌ من صفاته، وَصُدِّرَتْ هذه السُّورةُ بهذا الاسم؛ لأنَّه متضمِّنٌ لما ذُكِرَ فيها من النِّعَمِ العظيمة في الدُّنيا والآخرة.

وقيل: «صُدِّرت هذه السُّورة بهذا الاسم؛ لأنَّ كفَّارَ قُرَيْشٍ أنكروا اسْمَ الرَّحمن، فقالوا: «وما الرحمن؟» على جِهَةِ الإنكار والتَّعَجُّبِ.

قالوا: ما نعرف إلاَّ رَحْمَنَ اليمامة - يَعْنُونَ مُسَيْلِمَةَ - فأنزل اللهُ هذه السُّورَةَ تَرُدُّ عليهم، وَتُثْنِي على الله.

وقيل: «إنَّكفَّارَ قُرَيْشٍ قالوا: إنَّما يعلِّمه بَشَرٌ» .

فأثبت اللهُ لهم هذا الاسْمَ الَّذي ينكرونه وَيَنْفُونَهُ: «وَمَا الرَّحْمَنُ؟»

وبيَّن -سبحانه -أنَّه هو الرَّحْمَنُ، وأنَّه هو الَّذي علَّم القرآنَ، وأنَّ القرآنَ كلامُه، وليس كَلامَ البَشَرِ.

قوله: {عَلَّمَالْقُرْآَنَ} .

ذَكَرَ أَوَّلًا أَعْظَمَ النِّعَمِ.

فَعَلِمَ جِبْرِيلُ أوَّلًا، ثمَّ عَلِمَ جبريل نبيُّنا محمَّدٌ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثمَّ نبيُّنا عَلَّمَ أُمَّتَهُ، و الأُمَّةُ يُعَلِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا؛ فتعلَّمنا لَفْظَهُ، وتعلَّمنا معناه، وتعلَّمنا كيف العَمَلُ به.

القُرْآَنُ كَلامُ اللهِ، علَّمَهُ لِعِبَادِهِ، وَيَسَّرَهُ لهم، وهذا مِنْأَكْبَرِ النِّعَمِ؛ تَحْصُلُ بِهِ الهِدَايَةُ، فيهتدون بِهَدْيِهِ، وَيَسِيرُونَ على مَنْهَجِهِ.

فلا قِيمَةَ للأمن، ولا للأمان، ولا لِرَغَدِ العيش بدون إسلامٍ ولا إيمانٍ؛ فلو عاش النَّاسُ في بلاد الكفَّار يتمتَّعون بكلِّ مُتْعَةٍ، فلا قِيمَةَ لها بدون إيمانٍ.

وَتَعَلُّمُ القرآنِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ؛ {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنا} .

وفي آَيَةٍ أُخْرَى أَمَرَنَا بِحَمْدِهِ على إنزال القرآن، كما في صَدْرِ سُورَةِ الكهف، وَبَيَّنَ أَيْضًا أنَّإِنْزَالَهُ رَحْمَةٌ من الله؛ {مَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} .

وفيها أنَّالقُرْآَنَ يأتي بالتَّعليم، ولايأتي بالاجتهاد مِنْ قِبَلِ الشَّخص؛ لابدَّ أن يتعلَّمَه عن طريق التَّلْقِينِ.

قوله: {خَلَقَ الإِنْسَانَ} .

قَدَّمَ تَعْلِيمَ القرآن على خَلْقِ الإنسانِ؛ حتَّى يَعْلَمَ كيف يعبده؛ لأنَّ الغَايَةَ مِنْ خَلْقِ البشر عِبَادَةُ الله، ولا يستطيعون أن يعبدوه بِدُونِ عِلْمٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت