فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 581

مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيْنَا أَنْ الله خَلَقَ الإنسانَ فَأَوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ، وربَّاه بجميع النِّعَمِ، وَخَلَقَهُ لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ؛ وهي عبادةُ الله.

قوله: {عَلَّمَهُالْبَيَانَ} .

نِعْمَةُ تعليم القرآن نِعْمَةٌ خاصَّةٌ بالمؤمن، وَنِعْمَةُ تعليم النُّطْقِ نِعْمَةٌ عَامَّةٌ، مع تكريم الإنسان، وبها تَحَقَّقَ، وصار الإنسانُ مكلَّفًا.

علَّمه الكتابة والنُّطق، وهذه هيالنِّعْمَةُ الثَّالثةُ؛ نِعْمَةُ الكتابة، ونعمةُ النُّطْق.

فأمَّا نِعْمَةُ الكتابة فَكَيْفَ يَقْرَأُ القرآن بِدُونِ عِلْمٍ، وأمَّا نِعْمَةُ النُّطْقِ فكيف يُفْصِحُ الإنسانُ عمَّا في نفسه إلاَّ بلسانه؟ وهي ما يتميَّز به الإنسانُ عن الحيوان.

وهذا اللِّسانُ نِعْمَةٌ في حقِّ مَنْ شَكَرَ، فاستعمله في طاعة الله، وَنِقْمَةٌ في حَقِّ مَنْ كَفَرَ، فاستعمله في معصية الله.

اللِّسانُ عُضْوٌ صَغِيرٌ وَخَطِيرٌ، خَلَقَهُ اللهُ وَجَعَلَهُ دَلِيلًا على وحدانيَّته، يَقُودُ الإنسانُ إلى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، أو إلى دَرَكَاتِ النِّيرانِ.

فَأَكْثَرُ عَذَابِ القبر وَأَكْثَرُ ما يُدْخِلُ النَّاسَ النِّيرانَ اللِّسَانُ، ويتمنَّى البَعْضُ يوم القيامة أنَّه ما تكلَّم؛ فالكلامُ سِلاحٌ ذُو حَدَّيْنِ، ولكنَّ أكثر النَّاس استعمله في الشَّرِّ، وللِّسانِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ آَفَةً. وإذا استقام اللِّسانُ، استقامت الجَوَارِحُ.

إذا نَظَرْتَ إلى اللِّسَانِ، احْتَارَ عَقْلُكَ في صُنْعِهِ، وإذا سَمِعْتَ الأَصْوَاتَ، بَهَرَتْكَ تلك الأصواتُ، وَخَلَقَ اللهُ لِكُلِّ دَابَّةٍ وَجَعَلَ لَهَا لُغَةً وَمَنْطِقًا، ومع هذا كلِّه لا يختلف على الله صَوْتٌ عن صَوْتٍ، ولا تُشْكِلُ عليه؛ فقد وَسِعَ سَمْعُهُ جَمِيعَ الأصوات.

وهذا اللِّسانُ له زَلَّاتٌ كَثِيرَةٌ، وَمِنْ أَعْظَمِ الزَّلَّاتِ الكُفْرُ بالله؛ يَوْمَ يُمْسِي وَيُصْبِحُ وَقَدْ نَطَقَ بِكَلِمَةٍ تخرجه مِنَ المِلَّةِ، ولذلك خاف رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على صحابته مِنْ زَلَّاتِ اللِّسان؛ «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ» .الترمذي و الطبراني و البيهقي

وقد يَكْفُرُ الإنسانُ؛ حينما يَقُولُ: «لا إِلَهَ والحَيَاةُ مَادَّةٌ» ، أَوْ يَقُولُ: «إِنَّلله وَلَدًا» ، أَوْ يُنَادِي غَيْرَ اللهِ.

وَمِنْ آَفَاتِ اللِّسانِ الاستهزاءُ بالدِّين وَأَهْلِهِ، وَمَنْ عَادَى أَوْلِيَاءَ اللهِ، فَقَدْ أَعْلَنَ اللهُ عَلَيْهِ الحَرْبَ. وَمِنْ آَفَاتِ اللِّسان التَّعرُّضُ للنَّاس، والخَوْضُ فيهم.

بَعْدَمَا ذَكَرَ نِعَمَهُ الدِّينيَّةَ بتعليم القرآن، وَذِكْرِ نِعَمِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِخَلْقِ الإنسانِ، وَتَعْلِيمِهِ البَيَانَ، ذَكَرَ نِعْمَةَ تَسْخِيرِ الكَوْنِ للإنسان.

قوله: {الشَّمْسُوَالْقَمَرُبِحُسْبَانٍ} .

مِنْ نِعَمِ الله علينا هذه الكواكبُ النَّيِّرَاتُ في السَّماء، وَأَعْظَمُهَا الشَّمْسُ والقَمَرُ.

فَبَيَّنَ اللهُ نِعْمَةَ الشَّمْسِ والقمر، ولكن ما هي النِّعْمَةُ فيها؟ {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} يُضِيءُ الكَوْنَ. {وَجَعَلَ القَمَرَ نُورًا} يضيء الكَوْنَ. وفي ضَوْءِ الشَّمس والقمر مصالحُ للنَّباتات وللعباد، وبهما يُعْرَفُ اللَّيلُ والنَّهَارُ، وَيُعْلَمُ عَدَدُ السِّنِينَ والحسابُ.

فَجَعَلَ اللهُ للشَّمْسِ اثني عَشَرَ برجًا تَنْزِلُهَا الشَّمْسُ بُرجًا بَعْدَ بُرْجٍ، وتستكملها الشَّمْسُ في سَنَةٍ.

وللقمر منازلُ؛ كلَّ لَيْلَةٍ ينزل مَنْزِلَهُ، وهي ثَمَانٍ وعشرون مَنْزِلةً، وَلَيْلَةَ تِسْعٍ وعشرين وثلاثين يَسْتَتِرُ القَمَرُ؛ أي: يَخْتَفِي فيها، ثمَّ يَهِلُّ؛ أَيْ: يَطْلُعُ.

فالقَمَرُ يَقْطَعُ في شَهْرٍ ما تقطعه الشَّمْسُ في سَنَةٍ.

قوله: {بِحُسْبَانٍ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت