فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 581

أي: بِحِسَابٍ دَقِيقٍ وَمُحْكَمٍ؛ فَخَلَقَ اللهُ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِمَصَالِحَ عَظِيمَةٍ، ومنها الحسابُ، وهذا الحِسَابُ لا يتغيَّر، ولا يختلف، ولا يَخْتَلُّ أَبَدًا؛ لأنَّه مُقَدَّرٌ بِتَقْدِيرٍ مُحْكَمٍ.

وبهذا الحُسْبَانِ يُعْرَفُ التَّاريخُ، وَيُعْرَفُ أوقاتُ الصَّلَوَاتِ، وَيُعْرَفُ وَقْتُ الكسوفِ، ولذلك نِعْمَةُ تَعَلُّمِ الحُسْبَانِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ؛ حتَّى يعلم العبدُ كيف يعبد ربَّه في الصَّلوات الخمس، وفي رمضان، وفي الحجِّ، وفي حساب الحَوْلِ، كيف نعرف هذه العبادات إذا لم يَكُنْ عِنْدَنَا عِلْمٌ بمطالع الشَّمس والقمر؟

فيا لها مِنْ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ!

قوله: {وَالنَّجْمُوَالشَّجَرُيَسْجُدَانِ} .

قيل: «المُرَادُ بالنَّجْمِ أي: نُجُومَ السَّمَاءِ. وقيل: «المُرَادُ به الشَّجَرُ الَّذي ليس له سَاقٌ، وكلاهما النَّجْمُ والشَّجَرُ يسجدان لله سُجَودًا حَقِيقِيًّا، وَسُجُودَ خُضُوعٍ وانقيادٍ لِمَا سخَّرها له.

والإنسانُ منهم مَنْ يَسْجُدُ طَاعَةً وتعبُّدًا، ومنهم من لا يسجد لله تكبُّرًا وعنادًا، وهم كَثِيرٌ.

وكم لله مِنْ نِعَمٍ عظيمةٍ في النُّجوم! زِينَةٌ، وَرُجُومٌ للشَّياطين، ويهتدون بها، وَحِرَاسَةً للسَّماء.

دلَّت هذه الآَيَةُ {يسجدان} أنَّسُجُودَ النَّجْمِ والشَّجر سُجُودٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِخُضُوعِ الأشياء وتعظيمها لله على صِفَةٍ لا نَعْلَمُهَا؛ لأنَّه أَمْرٌ غَيْبِيٌّ.

فكيف تسجد الأشياءُ لله؟ لا نعلمها. سبَّح الحصى وسبَّح الطعام في يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين يديه

وفي الحديث عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ- رضي الله عنه- أَنَّالنَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال يَوْمًا: «أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟» قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: «إِنَّ هَذِهِ َتَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ العَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ. فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلَعِهَا» .

وَعَنِ ابْنِ مسعودٍ عند البخاريِّ: «وَلَقَدْ كنَّا نسمع تَسْبِيحَ الطَّعام وهو يُؤْكَلُ» .

قوله: {وَالسَّمَاءَرَفَعَهَا} .

مِنْ نِعَمِ اللهِ خَلْقُ السَّماوات والأرض؛ {كَانَتَا رَتْقًافَفَتَقْنَاهُمَا} ؛ فَجَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفًا مرفوعًا فوق الأرض بِقُدْرَتِهِ، وهذا مُشَاهَدٌ، وَجَعَلَ الأرضَ فِرَاشًا، وهو- سبحانه - الَّذي يُمْسِكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ أن تَزُولا بِقُدْرَتِهِ.

فاللهُ رَفَعَ السَّماءَ وَأَوْدَعَ فيها مِنَ المنافع والكواكب.

قوله: {وَوَضَعَالْمِيزَانَ} .

أي: أَوْجَدَ وَأَمَرَ بالميزان.

المقصودُ به في الآَيَةِ الميزانُ الَّذي يتبايع به النَّاسُ، ويدخل فيه ما هو أعمُّ من ذلك؛ مثل قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين} وفسَّره بعده، ولكنَّ التَّطْفِيفَ يدخل في كلِّ شَيْءٍ.

فالميزانُ هو ما يتعامل به، ويدلُّ فيه ما هو أعمُّ؛ العدلُ في كلِّ شَيْءٍ؛ فليس قاصرًا على الوزن فقط، بل العدل مَطْلُوبٌ في كلِّ شَيْءٍ، فَأَوْجَبَ اللهُ العَدْلَ، وَحَرَّمَ الظُّلْمَ.

أي: أَمَرَ بِالعَدْلِ، وهو مَأْمُورٌ بِهِ، وَمُثَابٌ عَلَيْهِ، وهو ضِدُّ الجَوْرِ والظُّلْمِ، وهو حَرَامٌ؛ لأنَّه مَنْهِيٌّ عنه.

والعدلُ مَطْلُوبٌ في كلِّ شَيْءٍ، مَطْلُوبٌ مع الرَّبِّ، وَمَطْلُوبٌ مع النَّفْسِ، وَمَطْلُوبٌ في القول، وَمَطْلُوبٌ في الحُكْمِ، وبين الزَّوجات، وبين الأولاد في الهِبَاتِ.

ففي الحديث عن عبد الله بن عمرٍو مرفوعًا: «المُقْسِطُونَ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَالَوْا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.

قوله: {أَلَّاتَطْغَوْافِيالْمِيزَانِ} . نَهَى عن مُجَاوَزَةِ العَدْلِ، ونهى عن الظُّلْمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت