الطُّغْيَانُ هو الزِّيادةُ عن الحقِّ في كلِّ شَيْءٍ؛ لئلاَّ يعتدوا؛ لأنَّ اللهَ شَرَعَ العَدْلَ، وَأَوْجَبَهُ؛ فلا يتجاوزه إلى غيره.
قوله: {وَأَقِيمُواالْوَزْنَبِالْقِسْطِوَلَاتُخْسِرُواالْمِيزَانَ} .
أي: تَحْقِيقَ العَدْلِ. أَكَّدَ على أهميَّةِ الالتزام بالعَدْلِ؛ لينتظم أَمْرُ العَالَمِ وَيَسْتَقِيمَ، و العَدْلِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ». لم أقف عليه. فاللهُ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأرضَ بالحقِّ والعَدْلِ؛ لِتَكُونَ الأَشْيَاءُ كلُّها بالحقِّ والعدل.
والمعنى: شَرَعَ اللهُ العَدْلَ، وَنَهَاكُمْ عَنْ تَجَاوُزِهِ، وَأَمَرَكُمْ أن تُقِيمُوا حَيَاتَكُمْ عليه؛ لِيَنْتَظِمَ أَمْرُ العَالَمِ، وَيَسْتَقِيمَ.
ومختصرُ القول: «مَا خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ إلاَّ بالعدل والحقِّ، وهي عِبَادَةُ الله وَتَوْحِيدُهُ؛ فَمَنْ عَبَدَ اللهَ فَقَدْ عَدَلَ، وَأَقَامَ الوَزْنَ، ومن كفر بالله وأشرك به فقد أَخْسَرَ الميزانَ وَطَغَى» .
قوله: {وَالْأَرْضَوَضَعَهَالِلْأَنَامِ} .
أي: خَفَضَهَا لَهُمْ.
تضمَّنت هذه الآيةُ امْتِنَانَهُ على خَلْقِهِ بِوَضْعِ الأرض وما أَوْدَعَ فيها من المنافع، وهي آيةٌ لهم دالَّةٌ على كَمَالِ قُدْرَتِهِ واستحقاقه للعبادة وَحْدَهُ.
قوله: {للأنام} أي: للخَلْقِ.
فوضعها اللهُ لِجَمِيعِ المخلوقات الَّتي تعيش فَوْقَهَا.
قوله: {فِيهَافَاكِهَةٌ} .
ذَكَرَ هنا ما تُخْرِجُهُ الأَرْضُ من مَنَافِعَ، وَمِنْهَا الفَوَاكِهُ. والفاكهةُ ما يَتَفَكَّهُ الإنسانُ ويتلذَّذ به من أنواع الفواكه في الطُّعومِ والرَّوائح والألوان؛ فهي ما يُؤْكَلُ تَفَكُّهًا؛ لا تَقَوُّتًا.
قوله: {وَالنَّخْلُذَاتُالْأَكْمَامِ} .
خَصَّ النَّخِيلَ؛ لِعِظَمِ المِنَّةِ بها؛ فالنَّخْلَةُ تعتبر بَيْتًا متكاملًا؛ وهي من الأشجار المعمَّرة، ينتفع بجميع أجزائها حَيَّةً وَمَيِّتَةً، والنَّخْلُ يُثْمِرُ أصنافًا من الفاكهة مِنْ رُطَبٍ وبُسْرٍ، وَمِنْ تَمْرٍ؛ وهو فَاكِهَةٌ وَقُوتٌ.
قوله: {ذَاتُالْأَكْمَامِ} .
أي: أَوْعِيَةَ الطَّلْعِ الَّتي يكون منها الثَّمَرُ قَبْلَ الثَّمَرِ. وفيها تَذْكِيرُ العِبَادِ بما امْتَنَّ اللهُ عليهم بثمرِها وحسنِ منظرها.
قوله: {وَالْحَبُّذُوالْعَصْفِ} .
الحَبُّ هو القَمْحُ والشَّعِيرُ ونحوُها. والعَصْفُ هو التِّبْنُ. تَذْكِيرٌ للعباد بِقُوتِ البَشَرِ وأنعامِهم.
قوله: {وَالرَّيْحَانُ} .
كلُّ نَبْتٍ طَيِّبِ الرَّائِحَةِ. فتذكير العباد بما امتنَّ الله عليهم من النَّباتات المُودَعَةِ فيه؛ الأطايبُ مِثْلُ الوَرْدِ والياسمين وما يسمَّى بالرَّيحان الأخضر.
فأخرج اللهُ للنَّاس من هذه الأرض؛ فالفاكهة للتَّلذُّذ، والنَّخلُ والحبُّ للغذاء والتَّقَوُّتِ، وَأَوْجَدَ النَّباتَ ذَاتَ الرَّوائح الطَّيِّبة متاعًا لهم ولأنعامهم، وكلُّها نِعَمٌ عَظِيمَةٌ.
قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} .
خَتَمَ اللهُ النِّعَمَ السَّابقةَ بهذا الاستفهام الَّذي فيه تَعَجُّبٌ ممَّن يكذِّب بهذه النِّعَمِ، فلا يستطيعون إنكارَها، ولا جحودَها. وتكرر هذا الاستفهام أكثر من ثلاثين مرة لأن قبلها نعمة لابد من تأملها
وما أَحْسَنَ جَوَابَ الجِنِّ المؤمنين حينما قالوا: «لا شَيْءَ مِنْ آَلائِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ» . السيوطي في الدر المنثور.
وهكذا يَنْبَغِي للعبد إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِ نِعَمُ الله وآلاؤه، أن يَقَرَّ بها، وَيَشْكُرَ اللهَ وَيَحْمَدَهُ عليها.