فهرس الكتاب
فكرِّرت هذه الآيةُ هنا إحدى وثلاثين مرَّةً؛ تقريرًا للنِّعمة، وتأكيدًا للتَّذكير بها.
ولذلك عدَّد اللهُ على عباده نِعَمَهُ، ثمَّ خاطبهم بقوله: تعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} .
وقد كرَّر- سبحانه- هذه الآَيَةَ ثَمَانِي مَرَّاتٍ، عَقِبَ آَيَاتٍ فيها تِعْدَادُ عَجَائِبِ خَلْقِهِ، وَمَبْدَأُ هذا الخَلْقِ، وَنِهَايَتُهُ.
ثمَّ كرَّرها سَبْعَ مَرَّاتٍ عَقِبَ آَيَاتٍ فيها ذِكْرُ النَّار وشدائدُها بِعَدَدِ أبواب جهنَّم .. ثمَّ كرَّرها- أيضًا- ثماني مرَّاتٍ في وَصْفِ الجَنَّتَيْنِ وَأَهْلِهِمَا، بعدد أبواب الجنَّة، وكرَّرها كذلك ثماني مرَّاتٍ في الجنَّتين اللَّتين هما دون الجنَّتين السَّابقتين.
قوله: {خَلَقَالْإِنْسَانَمِنْصَلْصَالٍكَالْفَخَّارِ} .
ذَكَرَ اللهُ أَصْلَ خَلْقِ الإنسان، وَمَبْدَأَهُ، وَضَعْفَهُ؛ فَخَلَقَ اللهُآَدَمَ أَبَا الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ يَابِسٍ كالفَخَّارِ.
فالصَّلْصَالُ هو الطِّينُ اليَابِسُ؛ تَسْمَعُ له صوتًا وَصَلْصَلَةً إذا قُرِعَ بِشَيْءٍ. والفَخَّارُ: الخَزَفُ المُجَوَّفُ.
ولا تَعَارُضَ بين هذه الآية، وبين غيرها من الآيات الَّتي تحكي أنَّالإنسانَ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، ثمَّ آَخِرُهَا صَلْصَالٌ؛ لأنَّ كلَّ آَيَةٍ تتحدَّث عن مَرْحَلَةٍ مِنْ مراحل خَلْقِ الإنسان؛ فقد مر بعدة اطوار؛ لأنَّ هذا التُّرَابَ صار طِينًا، ثمَّ خُمِّرَ هذا الطِّينُ مع الماء، فَصَارَ حَمَأً مسنونًا؛ أي: طِينًا أَسْوَدَ متغيِّرَ الرَّائحة، ثمَّ يَبَسَ هذا الطِّينُ فصار صَلْصَالًا كالفَخَّارِ.
وفيها تَذْكِيرٌ بِأَصْلِ الإنسان وَضَعْفِهِ وكم لله عليه مِنْ نِعَمٍ عَظِيمَةٍ، وَمِنَنٍ جَسِيمَةٍ في خَلْقِهِ؛ فقد خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ، ثمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثمَّ سَوَّاهُ، وَنَفَخَ فيه مِنْ رُوحِهِ؛ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ
وَ الأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون.
فَكَمْ لله على الإنسان مِنْ نِعْمَةٍ جَسِيمَةٍ؛ خَلَقَهُ، وَنَعَّمَهُ، وَكَرَّمَهُ، وَعَلَّمَهُ؛ حتَّى يتمكَّن من عبادة الله. فهل أنتم شاكرون؟
قوله: {وَخَلَقَالْجَانَّمِنْمَارِجٍمِنْنَارٍ} .
مِنْ لَهَبٍ خَالِصٍ لا دُخَانَ فيه، أو ممَّا اختلط بَعْضُهُ بِبَعْضٍ نَارٍ وَدُخَانٍ.
فَخَلْقُ الجَانِّ قد يكون من أصل النَّار، وقد يكون من أطرافها، فَكَمْ لله على الجِنِّ مِنْ نِعَمٍ عظيمةٍ! خَلَقَهُمْ مِنْ نَارِ السَّمُومِ، وَجَعَلَ لَهُمْ سَمْعًا وأبصارًا وأفئدةً، وَقَلِيلٌ منهم الشَّكُورُ.
والمقصودُ من الآَيَتَيْنِ تذكير الثَّقَلَيْنِ بمبدئهم وَضَعْفِهِمْ وَنِعَمِ الله العظيمة عليهم، وأنَّالغرضَ مِنْ خَلْقِهِمْ عِبَادَةُ الله وَحْدَهُ؛ فالغاية أَنْيعرفوا ربَّهم ويعبدوه وَحْدَهُ، فيكونَ اللهُ هو الإلهَ والمعبودَ والمطاعَ والمحبوبَ.
ومع هذه النِّعَمِ الكَثِيرَةِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحْصُى منهم المؤمنون وَكَثِيرٌ منهم فاسقون، وَصَدَقَ اللهُ؛ {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور} .
قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} .
أَمَرَهُمْ بِشُكْرِ هذه النِّعَمِ مِنْ أَصْلِ خَلْقِكُمْ إلى مَعَادِكُمْ، وفيها تَذْكِيرٌ وتقريرٌ وتأكيدٌ لهذه النِّعَمِ؛ فلا تستطيعون إنكارَها ولا جحودَها.
فنحن نقول كما قالت الجنُّ المؤمنون به: «اللَّهمَّ ولا بِشَيْءٍ مِنْ آلائِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فلك الحمدُ» .
وكان ابنُ عبَّاسٍ يقول: «لا بأيِّها يا ربُّ» . أي: لا نكذِّب بِشَيْءٍ منها.
بَعْدَ أَمْرِهِمْ بِشُكْرِ هذه النِّعمة بيَّن لهم مظهرًا آَخَرَ من مظاهر عظمته وقدرته وربوبيَّته. في اختلاف المَطْلَعِ مصالحُ عظيمةٌ للثَّقَلَيْنِ.
قوله: {رَبُّالْمَشْرِقَيْنِوَرَبُّالْمَغْرِبَيْنِ} .
أي: ربُّ مَشْرِقَيِ الشَّمْسِ في الصَّيف والشِّتاء، وربُّ مَغْرِبَيْهَا؛ أي: آَخِرَ ما تَصِلُ إليه في المَشْرِقِ في الصَّيف والشِّتاء، وَآَخِرَ ما تصل إليه في المغرب في الصَّيف والشِّتاء.