فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 581

فالجَمِيعُ تَحْتَ ربوبيَّته وتدبيره، وأخبرنا- سبحانه -أنَّه مالكُها ومصرِّفُها، فلا تغرب الشَّمْسُ ولا تشرق إلاَّ بإذن الله.

ولذلك قال إبراهيمُ - عليه السلام: {إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} . فَأَيْنَ النِّعْمَةُ في غروب الشَّمس وشروقها؟ معرفةُ هذه الفصول الأربعة؛ فهذه المواسمُ لها علاقةٌ بطلوع الشَّمْسِ وغروبها؛ فلو لم يَكُنْ هناك طُلُوعٌ للشَّمس وغروبٌ، لم تَكُنْ هذه الفصول.

فَفَصْلُ الرَّبيع يكون الطَّقْسُ فيه دافئًا، وتُزْهِرُ النَّباتاتُ، وَيَكْثُرُ طعامُ الحيوان، وَتَلِدُ فيه الحيواناتُ. أمَّا فصلُ الصَّيْفِ فيشتدُّ فيه الحَرُّ، ويكون جافًّا وَمُشْمِسًا، وَتَكْبُرُ فيه الحيواناتُ، وتَنْضُجُ الثِّمَارُ.

وأمَّا فَصْلُ الخَرِيفِ فالطَّقْسُ فيه أقلُّ حرارةً، وتستعدُّ فيه الحيواناتُ لِفَصْلِ الشِّتَاءِ، وَتَتَسَاقَطُ فيه أَوْرَاقُ الشَّجَرِ.

وأمَّا فصل الشِّتاء فأكثرُ الفصول برودةً، وتسقط فيه الأمطارُ والثُّلوجُ، ومن ثَمَّ بَيَّنَ اللهُ لنا في شروق الشَّمس وغروبها نِعَمًا عَظِيمةً.

وقد وَرَدَ جَمْعُ المشرق والمغرب في بعض الآيات، كقوله -تعالى - في سورة المعارج: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ} .

وَوَرَدَتْ تَثْنِيَتُهُمَا في بَعْضِهَا، كقولهتعالى: {رَبُّ المَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ المَغْرِبَيْنِ} ، وورد إِفْرَادُهُمَا كما في قولهتعالى: {رَبُّ المَشْرِقِ وِالمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} .

ولا تَعَارُضَ ولا اضْطِرَابَ في هذه الآيات؛ فجاء القَسَمُ بِرَبِّ المَشَارِقِ والمغارب بالجَمْعِ تَارَةً، وبالتَّثْنِيَةِ تَارَةًأُخْرَى، وجاء أيضًا مُفْرَدًا، فجاء في كلِّ مَوْضِعٍ بما يُنَاسِبُهُ.

فجاء في سورة الرَّحمن بالتَّثنية؛ لأنَّ السُّورةَ ذُكِرَتْ فيها المزدوجاتُ، فَذُكِرَ فيها الخَلْقُ والتَّعليمُ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجومُ والشَّجرُ والسَّماءُ والأرضُ والحبُّ والثَّمرُ والجنُّ والإنسُ ومادَّةُ الجنِّ والإنس والبحران والجنَّةُ والنَّارُ.

وَذَكَرَ جنَّتَيْنِ عَالِيَتَيْنِ، وجنَّتَيْنِ دونهما، ثمَّ أَقْسَمَ - سُبْحَانَهُ - في سورة المعارج بالجَمْعِ على عموم قدرته وكمالها؛ فَهُوَ يَأْتِي بالشَّمْسِ كلَّ يَوْمٍ من مَطْلَعٍ وَتَغْرُبُ في مَطْلَعٍ.

وَأَقْسَمَ في سورة المُزَّمِّلِ بلفظ المُفْرَدِ؛ ربِّ المشرق والمغرب؛ لأنَّ المقصودَ ذِكْرُ ربوبيَّته ووحدانيَّته.

فكما تفرَّد بربوبيَّةِ المشرق والمغرب وَحْدَهُ، فكذلك يجب أن يتفرَّد بالرُّبوبيَّة والتَّوكُّل عليه؛ فليس للمشرق والمغرب رَبٌّ سِوَاهُ.

وفيها تَنْبِيهٌ إلى ربوبيَّة السَّماوات وما حَوَتْ مِنْ كَوَاكِبَ، وهو ربُّ اللَّيل والنَّهار وما تضمَّنَتْهُ، وربُّ الأرض وما حَوَتْهُ من فِجَاجٍ وَبِحَارٍ وَقِفَارٍ، والشَّمسُ لا تَطْلُعُ من مطلعٍ واحدٍ.

قال الحافظُ ابْنُ كَثِيرٍ عند تفسير قولهتعالى: {رَبُّ المَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ المَغْرِبَيْنِ} : «يعني مَشْرِقَيِ الصَّيف والشِّتاء، ومغربي الصَّيف والشِّتاء.

وقال في الآية الأُخْرَى: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ} . وذلك باختلافِ مَطَالِعِ الشَّمس، وتنقُّلها في كلِّ يَوْمٍ، وبروزِها منه إلى النَّاس.

وقال في الآية الأخرى: {رب المشرق والمغرب .. } فَجَاءَتْ مُفْرَدَةً باعتبار الجِهَةِ والنَّاحية؛ لأنَّ النَّوَاحِيَ أَرْبَعٌ. وهذا المرادُ منه جِنْسُ المَشَارِقِ والمَغَارِبِ». انتهى.

وورد عن ابن عبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أنَّللشَّمس ثلاثَمائةٍ وَسِتِّينَ مشرقًا ومغربًا، وذلك على عدد أيَّام السَّنة؛ فكلَّ يَوْمٍ تُشْرِقُ من مكانٍ، وتغرب في مكان، ولا تعود إليه إلاَّ بعد سَنَةٍ، ولكن خصَّ مشرقي الشِّتاء والصَّيف؛ لتباعد ما بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت