فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 581

وشروقُ الشَّمس وغروبها عمليَّةٌ مستمرَّةٌ، وَفيها عِبَرٌة وَعِظَةٌ وَآَيَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ آَيَاتِ الله، وفي بِقَاعِهَا المختلفة.

ولا شَكَّ أنَّغُرُوبَ الشَّمس وشروقَها كلَّ يَوْمٍ عِبْرَةٌ وَعِظَةٌ، وفيها أنَّها تخبرنا أنَّلِكُلِّ مَوْجُودٍ زَوَالًا، ولكلِّ مُقِيمٍ ارْتِحَالًا.

قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} .

خَتَمَالله هذه النِّعْمَةَ غروبَ الشَّمس وشروقَها بهذا الاستفهام التَّقريريِّ؛ تقريرًا للنِّعمة، وتأكيدًا للتَّذكير بها، مع أنَّكلَّ نِعْمَةٍ من هذه النِّعَمِ تستحقُّ منكم الطَّاعةَ لي، والخضوعَ لِعِزَّتِي، والإخلاصِ في عبادتي.

قوله: {مَرَجَالْبَحْرَيْنِيَلْتَقِيَانِ} .

هذه الآيةُ تُشِيرُ إلى ظاهرةٍ طبيعيَّةٍ تَجْرِي في عالم البحار، والغرضُ منها التَّفكيرُ في نِعَمِ الله وَقُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ. وهذه البحارُ تَلْتَقِي، لكنَّها لا تتمازج.

وكلمةُ «مَرَجَ» تُطْلَقُ في اللُّغَةِ على معنى «خَلَطَ وَأَرْسَلَ» ؛ أي: أرسلهما، وَخَلَطَ وَجَمَعَ مَاءَ البَحْرَيْنِ الحُلْوَ وَالمَالِحَ في مكانٍ وَاحِدٍ، ولكنَّهما لا يختلطان، فأرسلهما وتركهما يلتقيان. بدون تمازج

قوله: {بَيْنَهُمَابَرْزَخٌلَايَبْغِيَانِ} .

منتهى الإعجاز في الخَلْقِ أَنْتَلْتَقِيَ البحارُ المالحةُ مع البحار العَذْبَةِ دُونَ أن تَخْتَلِطَ مياهُهما مِنْ خِلالِ وُجُودِ هذا البَرْزَخِ العَجِيبِ.

بينهما حَاجِزٌ؛ فلا يطغى أحدُهما على الآخر، ويذهب بخصائصه، بل يبقى العَذْبُ عَذْبًا، والمِلْحُ مِلْحًا، مع تلاقيهما.

وكيف تتمايز وهي تلتقي مع بعضها، ومع اختلاطهما الظَّاهريِّ؛ فلا يمتزجان؟ وطبيعةُ هذا الحاجز لا تزال إلى اليوم مَجْهُولَةٌ، ولا تختلط مياهُ بَحْرٍ مع بَحْرٍ آخر بينهما حاجز.

وكيف وعوامل المَزْجِ في البحار كَثِيرَةٌ من مَدٍّ وَجَزْرٍ وأمواجٍ وتيَّاراتٍ وأعاصيرَ؛ فلا يبغيان، ولا يتجاوز كلٌّ منهما حدَّه المقدَّر، وبينهما بَرْزَخٌ من طبيعتهما من صُنْعِ الله؟

هذا البَرْزَخُ والحاجزُ مَنَعَ اخْتِلاطَ المياه العَذْبَةِ بالمِيَاهِ المَالِحَةِ؛ فَسُكَّانُ العَالَمِ يعيشون على شَوَاطِئِ المحيطات والبحار، وَيَعْتَمِدُونَ في الغالب على المياه الجوفيَّة، ولذلك تَجِدُ في المُدُنِ الَّتي على الشَّواطئ آبارًا يخرج منها مَاءٌ عَذْبٌ.

وتتجلَّى ظَاهِرَةُ البرازخ المائيَّة أَكْثَرَ ما تتجلَّى في الجُزُرِ الصَّغيرة الموجودة في المحيطات؛ فَمِيَاهُ المحيطات المحيطة بهذه الجُزُرِ وَبِسَبَبِ ضَغْطِهَا الهائل قَادِرَةٌ على تلويث المياه الجوفيَّة الموجودة فيها بِشَكْلٍ كاملٍ لولا عِنَايَةُ اللهِ - عزَّ وجلَّ - بمخلوقاته من خلال إِبْدَاعِهِ لهذه البَرَازِخِ المائيَّة.

نِسْبَةُ المياه العذبة 3% من مجمل المياه المالحة، ومع هذا كلِّه أَنْعَمَ اللهُ على عباده بهذه الحواجز المائيَّة.

قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} .

بأيِّ نِعَمِ الله تكذِّبان وَتَجْحَدَانِ يا مَعْشَرَ الإنس والجنِّ؟ فَمِنْ نِعَمِهِأَوْجَدَ البَحْرَيْنِ المَالِحَ والعَذْبِ، وَفَاوَتَ بينهما في الطَّعْمِ والمنافع، وفي كلٍّ منهما مَصَالِحُ ومنافعُ، وجعلهما يَلْتَقِيَانِ ولا يمتزجان.

قوله: {يَخْرُجُمِنْهُمَااللُّؤْلُؤُوَالْمَرْجَانُ} .

اللهُ خَلَقَ البحارَ، وَأَوْدَعَ فيها مَنَافِعَ عَظِيمَةً، ومنها اسْتِخْرَاجُ الحُلِيِّ واللُّؤْلُؤِ والمَرْجَانِ، وهما يَخْرُجَانِ مِنَ البَحْرَيْنِ المِلْحِ والعَذْبِ.

واللُّؤْلُؤُ أَصْلُهُ حَيَوَانٌ يَهْبِطُ إلى الأعماق، وهو دَاخِلُ صَدَفَةٍ جيريَّةٍ تَقِيهِ من الأخطار .. ويُفْرِزُ مادَّةً لَزِجَةً تتجمَّد مُكَوِّنَةً «اللُّؤْلُؤَ» ؛ فاللُّؤْلُؤُ دُرٌّ كَبِيرٌ، والمَرْجَانُ حِلْيَةٌ حَمْرَاءُ، وَلَوْنُهُ مُخْتَلِطٌ، وله عدَّة ألوانٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت