ولمَّا نزلت هذه الآيةُ، تأدَّب الصَّحابةُ - رضي اللهُ عنهم - بذلك حتَّى كان بعضُهم يكلِّمه مسارَّةً، وجلس ثابتُ بْنِ قَيْسٍ في بيته وقال: أنا من أهل النَّار؛ فلقد عَلِمْتُمأنِّي من أرفعكم صوتًا على رسول الله، فأنا من أهل النَّار.
فَذُكِرَ ذلك للنَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: «بَلْ هُوَ مِنْأَهْلِ الجَنَّةِ» متفق عليه. وهذا من خَوْفِهِ وَحَذَرِهِ؛ لأنَّ المؤمنَ عنده حَسَاسِيَةً حينما يسمع الوعيد يَحْذَرُ، ويحاسب نفسَه؛ لئلاَّ يقع في الوعيد.
فمن كان صوتُه طبيعيٌّ ولا يقصد بذلك رفع الصَّوت على النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -أثنى على الَّذين يتأدَّبون في الكلام مع رسول الله؛ فلا إزعاجَ ولا صَخَبَ ولا رَفْعَ صَوْتٍ، إنَّما يتكلَّمون بأدبٍ، وَخَفْضِ صَوْتٍ، فيخاطب بسكينةٍ ووقارٍ وتعظيمٍ.
قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَامْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} .
قال ابن جريرٍ: «أي اصطفاها وأخلصها للتَّقوى» . لذلك تأدَّبوا بآداب الله مع رسول الله، فلهم مَغْفِرَةٌ على ذنوبهم، وَثَوَابٌ عَظِيمٌ على أعمالهم الصَّالحة
قوله تعالى: {إنَّالَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ} .
هنا ذَمَّ اللهُ الأَعْرَابَ حِينَمَا نَادَوْا رَسُولَ الله وهو في حُجْرَتِهِ مستريحًا، فجعلوا يقولون: يا محمَّدُ اخرج إلينا. وَيَرْفَعُونَأصواتَهم، ويصنعون كما يصنع الأعرابُ الجفاةُ.
أخرج الإمامُأَحْمَدُ عن أبي سلمةَبن عبد الرَّحمن، عن الأقرع بن حابس: أنَّه نادى رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ، فقال: يا محمَّدُ، يا محمَّدُ. وفي روايةٍ: يا رسول الله. فَلَمْ يُجِبْهُ، فقال: يا رسولَ الله، إنَّحَمْدِي لَزَيْنٌ، وإنَّ ذَمِّي لَشَيْنٌ، فقال: «ذَاكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ» .
قوله تعالى: {أَكْثَرُهًمْ لايَعْقِلُون} .
أي: عِنْدَهُمْ خِفَّةُ عَقْلٍ، وَعَدَمُ رَزَانَةٍ. ولم يُعَمِّمِ الحُكْمَ عليهم، والعَقْلُ عقلان؛ عَقْلُ رُشْدٍ، وضدُّه السَّفَهُ، وعقلُ تكليفٍ، وضدُّه الجنونُ.
قوله تعالى: {وَلَوْأَنَّهُمْ صَبَرُوا} .
أرشدهم إلى الأدب المفترض أنَّهم فعلوه؛ وهو الأدبُ عند الاستئذان، والصَّبرُإذا لم يُبَادِرْ بالرَّدِّ عليهم، فيستأذن ثلاثًا، فإن أَذِنَ وإلاَّ رَجَعَ.
ولنا وَقْفَةٌ مهمَّةٌ: ألقى شيخُنا الطَّحَّانُ تَذْكِرَةً بعنوان «آداب الزِّيارة في الله» وَذَكَرَ أنَّلها سَبَبَيْنِ:
-الأوَّلُ: أنَّالبيتَ له مكانة، ولمن داخله له حصانة.
-الثَّاني: أنَّه زَارَهُ في يَوْمٍ خَمْسةُ وُفُودٍ بعد كلِّ صلاةٍ من الفجر إلى العشاء. فَكَتَبَ هذا الموضوعَ.
ولنا تَعْلِيقٌ على تضجر شيخنا - حفظه الله ورعاه - بأنَّ العَالِمَ يَحْصُلُ له ذلك، ولاينبغي له أن يُغْلِقَ بابَه كما صنع دَاوُدُ، فَتَسَوَّرَ الخَصْمَانِ المحرابَ، فعاتبه الله.
ولذلك كان نبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - يستقبل النَّاسَ في كلِّ الأحوال، وكان بابُ الشَّيخِ ابنِ بَازٍ مفتوحًا، وينبغي لكلِّ عَالِمٍ أن يكون كذلك.
وعلى كلٍّفالموضوع رائعٌ؛ فالبيوتُ لها حَصَانَةٌ.
فهيمن النِّعَمِ الَّتي امتنَّ الله بها على الإنسان؛ نِعْمَةُ السَّكَن، والَّذي إليه يأوي، وفيه يستريح، وإذا فقد الإنسانُ هذه النِّعْمَةَ، نُغِّصَتْ عليه حياتُه، وأصيب بالشَّقاء والاضطراب.
وقد جَعَلَ اللهُ لهذه البيوت مَنْزِلَةً عظيمةً، وجعل لهذه البيوت حَصَانَةً، ومن فيه لهم مكانةٌ، وشرع لها آدابًا لا ينبغي مجاوزتُها.