فهرس الكتاب
نَفْيٌ مُطْلَقٌ. والمعنى أنَّها إذا وَقَعَتْ وعاينها النَّاسُ فلا أَحَدَ يُكَذِّبُ بها، ولو كان مكذِّبًا لها قبل ذلك؛ لا يكون عند وُقُوعِهَا نَفْسٌ تُكَذِّبُ بها.
قوله: {خَافِضَةٌرَافِعَةٌ} .
عِنْدَ قِيَامِ السَّاعة تتغيَّر الموازينُ؛ فَيَرْتَفِعُ أَهْلُ الإيمان، وَتَخْفِضُ أَهْلَ الكفر والعصيان، وهي تَشْمَلُ المكلَّفين، وتشمل غَيْرَ ذلك من الكائنات.
والعِبْرَةُ بموازين الأعمال؛ لأنَّ اللهَ جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ عَمَلٍ، والآَخِرَةُ دَارُ جَزَاءٍ، ولا عَمَلَ فيها؛ فلا تنفع الأنسابُ، ولا الأسبابُ يَوْمَ القيامة؛ لأنَّ العِبْرَةَ بالعمل.
متى يكون ذلك؟
قوله: {إِذَارُجَّتِالْأَرْضُرَجًّا} .
هذا شَرْطٌ بَعْدَ شَرْطٍ، والظَّاهرُ أنَّالرَّجَّ هو أوَّلُ علامات السَّاعة، وأوَّلُأسباب التَّغْيِيرِ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: «إنَّالنَّفَخَاتِ ثَلاثٌ؛ نَفْخَةُ الفزع، وهي مقدِّمةٌ لنفخةِ الصَّعْقِ، ثمَّ نَفْخَةُ البَعْثِ، فَبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ يكون هذا التَّغْيِيرُ» .
وقيل: «إذا رُجَّتِ الأرضُ رَجًّا عظيمًا» . ولك أن تتصوَّر قارورةَ ماءٍ وأنت ترجُّها بيديك رجًّا شديدًا.
وَمِنْ رَحْمَةِ الله علينا أَنْجَعَلَنَا نرى بَعْضَ الحوادث كالزَّلازل في نواحي الأرض؛ لِنَعْتَبِرَ بها.
ودرجاتُها تَخْتَلِفُ؛ فعند الزَّلزلة تهتزُّ بَلْدَةٌ صغيرةٌ، وليس الأرضَ كلَّها؛ عقوبةً وَعِبْرَةً وَعِظَةً للنَّاس.
قوله: {وَبُسَّتِالْجِبَالُبَسًّا * فَكَانَتْهَبَاءًمُنْبَثًّا} .
أي: فُتِّتَتْ حتَّى تَصِلَ إلى درجة الهَبَاءِ، ثمَّتضمحلُّ. والهَبَاءُ هو الَّذي تراه في ضوء الشَّمس، ولا يتماسك، ولا يكاد أَحَدٌ يراه، أو يُمْسِكُهُ. فتصبح الجبال هباء أي لاشيء
تصوَّر هذه الجِبَالَ العظيمةَ، ويكون بعضُها كُتْلَةً عَظِيمَةً من الصَّخْرِ متماسكةً ومترابطةً يَوْمَ القيامة، تُفَتَّتُ حتَّى تصبح الأرضُ ليس فيها جِبَالٌ ولا شَجَرٌ ولا أَوْدِيَةٌ ولا رِمَالٌ.
ذَكَرَ اللهُ - تعالى - عِدَّةَ صِفَاتٍ للجبال يَوْمَ القيامة عِنْدَ قِيَامِ السَّاعة: {كَالْعِهْنِ المَنْفُوشِ} وَكَثِيبٌ وَهَبَاءٌ وَسَرَابٌ.
قوله: {وَكُنْتُمْأَزْوَاجًاثَلَاثَةً} .
الخطابُ لِجَمِيعِ النَّاس.
هنالك يَنْقَسِمُ البَشَرُ على اختلاف مِلَلِهِمْ وَنِحَلِهِمْ وطوائفهم وشعوبهم إلى ثلاثة أَقْسَامٍ؛ صِنْفَانِ في الجنَّة، وَصِنْفٌ في النَّار، وهم أَصْحَابُ الشُّؤْمِ، وذكرهم هنا إجمالًا بلا تَرْتِيبٍ.
فلمَّا ذكرهم على سبيل الإجمال والتَّفصيل والتَّقسيم، رتَّبهم بِحَسَبِ أفضليَّتهم.
قوله: {فَأَصْحَابُالْمَيْمَنَةِمَاأَصْحَابُالْمَيْمَنَةِ} .
أهلُ اليمين هم أهلُ الجنَّة، وهم فَرِيقَانِ؛ السَّابقون، والمقتصدون.
فَمَنْ كَتَبَ اللهُ له الجَنَّةَأَخَذَ كتابَه باليمين، ومن أَخَذَ كتابَه بالشِّمال أو مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، فهم أصحابُ النَّار من الكفَّار، ويأخذون كتابَهم باليمين من جهة التَّقسيم، لا من جهة التَّفضيلِ.
قوله: {وَأَصْحَابُالْمَشْأَمَةِمَاأَصْحَابُالْمَشْأَمَةِ} .
الهالكون والواقعون في عذاب الله يأخذون كتابهم بالشِّمال، أو من وراء الظَّهر، والنَّاجون من عذاب الله يأخذون كتابهم باليمين. فليس هناك إلاَّ فريقان؛ فَرِيقٌ يأخذ كتابَه باليمين، وفريقٌ يأخذ كتابَه بالشِّمال.
قوله: {وَالسَّابِقُونَالسَّابِقُونَ} .
أي: السَّابقين إلى طاعة الله، وإلى الأعمال الصَّالحة، وسارَعوا إلى كلِّ بابٍ من أبواب الخير.