فهرس الكتاب
وهم مَنْ فَعَلَ الواجبات والمستحبَّات، وترك المحرَّمات والمكروهات، ولم يستغرق في المباحات كَثْرَةَ النَّوم والأكل والشُّرب والكلام.
ولقد أحسن بعضُ التَّابعين حينما سأل الحسنَ البصريَّ فقال: «التَّابعون أكثرُ تعبُّدًا، والصَّحابةُ أفضل؟» . فقال: «أنتم تتعبَّدون بعباداتٍ كثيرةٍ والدُّنيا في قلوبكم، وهم يتعبَّدون بعباداتٍ قد تكون قليلةً ولكن الآخرةُ في قلوبهم» .
ونوَّه اللهُ على درجة السَّابقين حتَّى يعمل الإنسانُ لها، فذكر ما كان يعمل السَّابقُ، ثمَّ ذكر بعدها ما أعدَّ لهم من النَّعيم.
لمَّا ذَكَرَ عَمَلَهُمْ، ذَكَرَ جَزَاءَهم.
قوله: {أُولَئِكَالْمُقَرَّبُونَ} .
«أولئك» اسْمُإِشَارَةٍ؛ تعظيمًا لهم. أي: مقرَّبون عند الله؛ فاللهُ قَرَّبَهُمْ في أعالي جنانِ الخلد؛ لأنَّ الفردوسَ الأعلى سَقْفُهُا عرشُ الرَّحمن. وَرَدَ في الحديث: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى» . رواه البزار و ابن خزيمة.
قوله: {فِيجَنَّاتِالنَّعِيمِ} .
أي: في هذا المقرِّ العظيم الَّذي فيه ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلب بَشَرٍ؛ جَمَعَ اللهُ لأَهْلِ الجنَّة بين نَعِيمَيِ البَدَنِ والقلب، كما في قوله: {وَلَقَّاهُمْ نَظْرَةً وَسُرُورًا} ؛ فالسُّرورُ بالقلب، والنَّظرةُ على الوجه.
قوله: {ثُلَّةٌمِنَالْأَوَّلِينَ *وَقَلِيلٌمِنَالْآَخِرِينَ} .
هؤلاء هم المقرَّبون. على تفسيرين:
-قيل: {ثُلَّةٌ من الأوَّلين} أي: الأمم السَّابقة؛ أي: كَثِيرٌ من الأمم السَّابقة، وقليلٌ من الآخرين. أي: مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ، باعتبار أنَّهذه الأمَّةَ مقابلُ الأمم السَّابقة.
ففي الحديث: «أَنْتُمْ تُوَفُّونَ سَبْعِينَأُمَّةً، أَنْتُمأَكْرَمُهَا وَأَحَبُّهَا وَأَجَلُّهَا عِنْدَ اللهِ» . الطبراني في الأوسط (صحيح)
-ولكن الصَّحيحُ أنَّالخِطَابَ للأمَّة؛ فمعنى {ثلة من الأولين} أي: كَثِيرٌ من أوَّل هذه الأمَّة؛ ففي الحديث: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . أصله في الصحيحين بلفظ (خيركم قرني)
وقليلٌ من الآخرين؛ يَعْنِي قليلًا مِنْ آَخِرِ هذه الأمَّة، والتَّأخُّرُ ليس عَيْبًا؛ لأنَّ العَيْبَ ليس في الزَّمان، إنَّما العَيْبُ في الأُمُورِ المُكْتَسَبَةِ.
نَعَمْ هُنَاكَ تَفْضِيلٌ اختصَّ به القرونُ الثَّلاثةُ الأُولَى؛ اخْتُصُّوا بالقُرْبِ من عهد النُّبُوَّةِ. وهذا مَزِيدُ فَضْلٍ، ولكن مَنْ تأخَّر ليس عيبًا؛ إنَّما مِنْ جِهَةِ الأمورِ المُكْتَسَبَةِ.
وكلَّما تأخَّر الزَّمانُ، اشْتَدَّتْ غُرْبَةُ الدِّين، وكثرةُ الفِتَنِ، وقلَّ المُعِينُ على الدِّين، وَيَقِلُّ أَهْلُ الإيمان الصَّحيحِ، وَيَصْبِرُونَ على الفتن والبلاء؛ فهؤلاء قليلون، ويكونون في آخر الزَّمان، وَكَثِيرٌ من النَّاس يَمْقُتُهُمْ، ويضايقُهم، ويعارضُهم، فيصبرون.
ذِكْرُ جَزَائهم.
قوله: {عَلَاسُرُرٍمَوْضُونَةٍ} .
السُّرُرُ أي: الكرسيَّ الكبيرَ المتَّسعَ؛ يُقَالُ له سَرِيرٌ، وليس خاصًّا بالنَّوْمِ، فيجلسون عليها، وهي متَّسعةٌ للجلوس ذَاتُ صَنْعَةٍ بَدِيعَةٍ؛ أي: على أَسِرَّةٍ مَنْسُوجَةٍ من الذَّهب، مَوْضُونَةٍ؛ أي: مُزَيَّنَةً بالذَّهب والفضَّة.
قوله: {مُتَّكِئِينَعَلَيْهَامُتَقَابِلِينَ} .
أي: مِنْ سَعَتِهَا وَرَحَابَتِهَا يستريحون ويستقرُّون ويجلسون عليها للرَّاحةمتقابلين؛ لوجود المحبَّة والأُلْفَةِ.