فهرس الكتاب
فوصفهم اللهُ بِكَمَالِأَدَبِهِمْ، وَصَفَاءِ قلوبهم، أنَّهم متقابلين؛ لأنَّ اللهَ نَزَعَ ما في صدورهم مِنْ غِلٍّإخوانًا على سُرُرٍ متقابلين؛ بِخِلافِ ما عليه النَّاسُ في الدُّنيا مِنْ كَوْنِهِمْ متقاطعين ومتشاحنين ومتدابرين.
ونبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - نَهَى عن التَّدابُرِ، والتَّدَابُرُ يكون قلبيًّا أو بدنيًّا؛ فَبَعْضُهُمْ تكلِّمه، فَيَرُدُّ عليك بِجَفَاءٍ، ولا يكاد يُخْرِجُ الكلمة معك إلاَّ بصعوبةٍ؛ لإعراض قلبه عنك، أو تَدَابُرٌ بَدَنِيٌّ؛ كلُّ وَاحِدٍ يُعْرِضُ عن الآخر.
فهذا كلُّه يَزُولُ في الآخرة؛ فَيَنْزِعُ اللهُ مِنْ قُلُوبِ أَهْلِ الجنَّة كلَّ غِلٍّ، ويجعل محلَّها المحبَّةَ والأُنْسَ.
قوله: {يَطُوفُعَلَيْهِمْوِلْدَانٌمُخَلَّدُونَ} .
وَصْفَانِ للخَدَمِ؛ صِفَةُ جَمَالِهِمْ شَبَابٌ صغارُ السِّنِّ على صِفَةٍ وَاحِدَةٍ.
و «مخلَّدون» لا يموتون؛ فيبقون على حالةٍ وَاحِدَةٍ شَبَابٍ ولا يموتون.
أي: يتردَّد عليهم خَدَمٌ خُلِقُوا ليخلَّدوا؛ فهؤلاء الخَدَمُ لجمالهم ونظافتهم وصفاء ألوانهم، تكريم لأهل الجنة وإذا كان هؤلاء الخدم، فكيف بالسَّادة؟
وفي آَيَةٍأُخْرَى وُصِفُوا باللُّؤْلُؤِ المَنْثُورِ على جمالهم ونظافتهم وصِغَرِ سِنِّهِمْ.
«مَنْثُورٌ» أي: يدلُّ على كثرتهم. قال مُقَاتِلُ بْنِ حَيَّانَ: «إذا أراد أَهْلُ الجَنَّةِ أن يدعوا بالطَّعام، قال أحدُهم: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ» قال: فَيَقُومُ على أحدهم عَشَرَةُ آلافِ خَادِمٍ.
سُبْحَانَ الله! إذا أراد شيئًا فماذا يقول؟ يدعوهم بالتَّسبيح. لم يختر الله لهم كَلِمَةً غَيْرَ تَسْبِيحِهِ وَتَنْزِيهِهِ عن كلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ، وَوَصْفِهِ بصفات الكمال.
وهذا يعطينا أنَّالإنسانَ ينبغي أن يتعلَّق قلبُه بالتَّسبيح. هذه العبادةُ لم تنقطع في الجنَّة، ولا يبقى من العبادات إلاَّ الذِّكْرُ، وَيُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ، كما يُلْهَمُأَحَدُكُمُ النَّفَسُ.
قوله: {بِأَكْوَابٍوَأَبَارِيقَوَكَأْسٍمِنْمَعِينٍ} .
أي: يُسْقَوْنَ في آنِيَةٍ جَمِيلَةٍ، ومتعدِّدة الأشكال، أمَّا الأكوابُ فهي جَمْعُ «كُوبٍ» ، وهو ما لا عُرْوَةَ له، وليس له خُرْطُومٌ.
والأباريقُ هي أوانٍ لها عُرًى، وله مَصَبٌّ، والكأس لا تسمَّى كأسًا إلاَّ إذا كانت مملوءةً بالشَّراب.
و «مَعِين» هو المَوْرِدُ الصَّافي الدَّائم؛ فهي مُيَسَّرَةٌ، وتأتي من نَبْعٍ مستمرٍّ، والجنَّةُ فيها أَنْوَاعٌ من الشَّراب؛ مَاءٌ وَلَبَنٌ وعسلٌ وخمرٌ.
قوله: {لَايُصَدَّعُونَعَنْهَاوَلَايُنْزِفُونَ} .
- {لا يصدَّعون} وَجْهَانِ:
-الأوَّلُ: لا يُصَدَّعون عْنَهَا. أي: مِنْهَا؛ أي: بسببها؛ فلا يصيبهم صُدَاعٌ، ولا تُؤْذِي رءوسَهُمْ مِنْ كَثْرَةِ الشَّرابِ. وهذا يَحْصُلُ بِكَثْرَةِ الطَّعام والشَّراب.
-الوجه الثَّاني: أي مُلازِمَةً لهم؛ فلا يُحَالُ بينهم وبينها.
أي: لَيْسَتْ مِثْلَ خمر الدُّنيا تصدِّع الرَّأسَ وتُذْهِبُ العَقْلَ؛ فَخَمْرُ الجنَّة لذيذةٌ وطيِّبة الرَّائحة، وخمرُ الدُّنيا مُرَّةٌ، وخبيثٌ رائحتُها.
ولونُ خَمْرِ الجنَّة بيضاءُ مُشْرِقَةٌ حَسَنَةٌ بَهِيَّةٌ.
قوله: {وَفَاكِهَةٍمِمَّايَتَخَيَّرُونَ} .
فاكهةُ الجنَّة كَثِيرَةٌ، والأصلُ فيها التَّنويعُ مع الاختيار. وهذه الآيَةُ دَلِيلٌ على جَوَازِ أَكْلِ الفَاكِهَةِ على صِفَةِ التَّخَيُّرِ لها، وهي لا تُطْلَبُ بِثَمَنٍ، ولا تُصِيبُهَا آَفَةٌ، ولا يَصْعُبُ تَنَاوُلُهَا.
وأفضلُ شَيْءٍ أنَّالفَاكِهَةَ تُؤْكَلُ قبل الطَّعام بِوَقْتٍ وبعضهم استبعده، أو أكلُها بَعْدَ الطَّعام بوقتٍ كنحو ساعةٍ.