فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 581

أي: لِطِيبِ هذه الفاكهة لها ثَلاثُ صِفَاتٍ، أطيبُها مَنْظَرًا، وأطيبُها شَمًّا، وأطيبُها أَكْلًا؛ فهي طيِّبةٌ في لَوْنِهَا وَرِيحِهَا وَمَذَاقِهَا.

وَهُنَاكَ وَصْفٌ رَابِعٌ؛ هي متشابهةٌ في اللَّوْنِ والحَجْمِ والرَّائحة ومختلفةٌ في الذَّوْقِ؛ كلَّما رُزِقُوا منها مِنْ ثَمَرَةٍ قالوا: هذا الَّذي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ.

وَتَنَوُّعُ المَطَاعِمِ بلا ضَرَرٍ، والأكلُ يُعْطَى شهوةُ مِائَةٍ رجل، ويجلس بعضُ الأغنياء اليَوْمَ على سُفْرَةٍ تمدُّ فيها أنواعُ الأطعمة، فلا يَمُدُّ يَدَهُ إلاَّ إلى شَيْءٍ يَسِيرٍ، وَنَظَرُهُ بحسرةٍ.

وليس في الآيات ما يدلَّ على تقديم الفاكهة على الطَّعام، وكثيرٌ من الأطبَّاء لا يُقِرُّ بضرر الفاكهة مع الطَّعام؛ لأنَّ الوَاوَ وَاوُ عَطْفٍ مع أنَّالأَنْسَبَ للفاكهة ألاَّ تُخْلَطَ مع غيرها.

قوله: {وَلَحْمِطَيْرٍمِمَّايَشْتَهُونَ} .

خصَّ الطَّيرَ؛ لأنَّه أَنْعَمُ أَنْوَاعِ اللُّحوم، وَأَلَذُّهَا، وإذا اشتهى نوعًا من الطَّير يأتيه صالحًا للأكل، فيخرَّ مشويًّا، وطيرُ الجنَّة عَظِيمٌ كما وَصَفَهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.

أخرج التِّرمذيُّ عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: سُئِلَ رَسُولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما الكوثرُ؟ قال: «ذَاكَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللهُ» - يَعْنِي في الجنَّة - «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ، فِيهَا طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِالجزرِ» . رواه الترمذي و النسائي و أحمد.

قال عُمَرُ: «إنَّهذه لَنَاعِمَةٌ» . قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَكْلَتُهَا أَحْسَنُ مِنْهَا» .

وفوق هذا كلِّه كذلك؛ أي زِيَادَةً على ذلك: {وَ زَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} .

قوله: {وَحُورٌ عِين} .

الحُورُ هنَّ النِّسَاءُ الجميلاتُ. و {عِين} أي: جميلاتِ الأَعْيُنِ، وَكَبِيرَاتِ الأَعْيُنِ.

وكلمةُ {حور} أي: في عَيْنِهَا حَوَرٌ. والمرأةُ إذا كانت جَمِيلَةً وَعَيْنَاهَا جَمَيلَتَان فإنَّها تكون مَرْغُوبَةً، ولاشكَّ أنَّنساءَ اليوم يَكْشِفْنَ عن أَعْيُنِهِنَّ وطرفٍ من خدِّهنَّ، وهو نَوْعُ تَبَرُّجٍ وَسُفُورٍ.

ونساء الجنَّة على قسمين:

-الحُورُ الّلاَتي خلقهنَّ اللهُ للخدمة وللجنَّة؛ ليتنعَّم بهنَّ أهلُ الجنَّة والاستمتاع بهنَّ. وهو وَصْفٌ تَقْرِيبِيٌّ؛ لِعِظَمِ التَّفاوت بين نعيم الدُّنيا ونعيم الجنَّة؛ لأنَّ الحَقِيقَةَ تَخْتَلِفُ تمامًا.

ما هناك إلاَّ تَوَافُقٌ في الأسماء، كما أنَّالنِّعَمَ في الدُّنيا متفاوتةٌ، سواءٌ في المراكب والملابس والأطعمة؛ منها الجَيِّدُ والوَسَطُ والرَّديءُ، ولذلك نَعِيمُ الجنَّة وَصْفٌ تقريبيٌّ؛ حتَّى يَعْظُمَ الرَّجَاءُ والتَّنَافُسُ فيه.

قوله: {كَأَمْثَالِاللُّؤْلُؤِالْمَكْنُونِ} .

وَصَفَ جِسْمَهَا - أي نساءَ الجنَّة - «مِثْلَ اللُّؤلؤِ المُغَطَّى» ؛ فلا تَفْسَدُ بِشَمْسٍ ولا هَوَاءٍ ولا غُبَارٍ؛ فهو مَصُونٌ، فَيَبْقَى على منظره الجميل. وجعلهنَّ مطهَّراتٍ؛ أخلاقُهنَّ مطهَّرةٌ، ومتحبِّباتٍ لأزواجهنَّ بالأخلاق الحَسَنَةِ، وفي سنٍّ واحدةٍ؛ لا كبيرةٍ عَجُوزٍ، ولا صغيرةٍ، ولا تخرج من بيتها، ولا تنظر لغير زوجها؛ لِشِدَّةِ حبِّها له.

قوله: {جَزَاءًبِمَاكَانُوايَعْمَلُونَ} .

بَيَّنَ - سبحانه -أنَّهم ما حصلوا على هذا النَّعيم إلاَّ بسبب أعمالهم، ونعيمُ الجنَّة قد يكون مشتركًا، وقد يكون مختصًّا لِمَزِيدِ التَّكريم.

وقد اختلف العلماء في الباء بـ «ما» هل الباء عوضيَّةٌأم سببيَّةٌ فقالوا: «باء النَّفي المراد بها أنَّه لن يكون عَمَلُ ابن آدم عوضًا للجنَّة؛ ففي الحديث: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» البخاري؛ لو كان الله يعاوضنا على أعمالنا، لكانت نِعْمَةٌ واحدةٌ تحيط بجميع أعمالنا».

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت