فهرس الكتاب
خَتَمَ جزاء السَّابقين بذكر ما يكون بينهم من محبةٍ وأنسٍ؛ بخلاف ما يكون عليه النَّاسُ في الدُّنيا من سوء تَفَاهمٍ وكلامٍ باطلٍ.
قوله: {لَايَسْمَعُونَفِيهَالَغْوًاوَلَاتَأْثِيمًا} .
أي: لا يسمعون فيها لغوًا؛ أي: كلامًا لا فَائِدَةَ فيه، أو لا خَيْرَ فيه، وكذلك لا يسمعون كلامًا يَأْثَمُونَ به.
قوله: {إِلَّاقِيلًاسَلَامًاسَلَامًا} أي: لا يسمعون إلاَّ كلامًا فيه السَّلامة وإدخالُ السُّرور والفرح بين أهل الجنَّة. نسأل اللهَ مِنْ فَضْلِهِ.
-وقفةٌ مع مجالسنا في الدُّنيا يا ليتها تَسْلَمُ من اللَّغو والكذب:
الجنَّةُ سمِّيَتْ بدار السَّلام؛ لسلامتها من كلِّ بَلِيَّةٍ وَآَفَةٍ ومكروهٍ، وهي دارُ الله، واسمُه السَّلام، فسلَّمها وسلَّم أهلَها، وتحيَّتُه السَّلامُ، والرَّبُّ يسلِّم عليهم مِنْ فوقهم، والملائكةُ تُسَلِّمُ عليهم، وكلامُهم كلُّه سلامٌ لا لَغْوَ فيه، ولا بَاطِلَ.
قوله: {وأصحاب اليمين وَأَصْحَابُالْيَمِينِمَاأَصْحَابُالْيَمِينِ} .
خصَّهم اللهُ بالذَّات؛ لأنَّهم في دَرَجَةٍ دُونَ مَنْزِلَةِ المقرَّبين. هذا سُؤَالٌ واستفهامٌ للتَّعجُّب والتَّفخيم؛ بمعنى: أيُّ قَوْمٍ هؤلاء؟ فهو في حَالٍ عَظِيمَةٍ ومتنوِّعةٍ، لا يُدْرَكُ حالُهم.
وأصحاب اليمين هم المقتصدون، وهم أعلى أهل اليمين مَرْتَبَةً، وهو مَنْأدَّى الفرائضَ، واجتنب المحارمَ، وليس عندهم مُسَارَعَةٌ للخيرات، والظَّالمُ لِنَفْسِهِ من الموحِّدين مع أصحاب اليمين قبل العذاب أو بَعْدَهُ.
فَذَكَرَ عَمَلَهُمْ أوَّلًا، ثمَّ ذَكَرَ جزاءَهم، وفسَّر ذلك بَعْدَهُ.
قوله: {فِيسِدْرٍمَخْضُودٍ} .السِّدرُ في الدُّنيا مَوْصُوفٌ بأنَّه قَلِيلُ الثَّمَرِ، كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَثَمَرَةٌ ليست من أطيب الثِّمار، لَكِنْ سِدْرُ الجنَّة خلافُ ذلك؛ ذَكَرَ له وَصْفَيْنِ؛ خاليًا من الشَّوك، ومملوءًا بالثَّمر الطَّيِّبِ.
وَخُضِّدَ شَوْكُهُ، وَجُعِلَ مَكَانَ كلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةٌ.
جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسولَ الله في الجنَّة شجرةٌ لا أعلمها إلاَّ مِنْ أَكْثَرِ شجر الوادي شوكًا. فقال: ما هي؟ فقال: «السِّدْرُ» . فقال: «إِنَّ اللهَ خَضَدَهُ وَنَضَدَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً» . صحيح الترغيب.
قوله: {وَطَلْحٍمَنْضُودٍ} .
هو شَجَرُ المَوْزِ على المَشْهُورِ مِنَ الأقوال. و {منضود} أي: كَثِيرَ الثَّمَرِ.
وقيل: «الطَّلْحُ المَعْرُوفُ بالبادية، ليس فيه ثَمَرٌ، وَصَغِيرُ الوَرَقِ» .
و {منضود} أي: كَثِيرَ الثَّمر مِنْأَسْفَلِهِ إلى أعلاه.
قوله: {وَظِلٍّمَمْدُودٍ} .
السَّلَفُ مُجْمِعُونَ أنَّالمرادَ بِهِ شَجَرُ الخُلْدِ في الجنَّة؛ يمشي الرَّاكب فيها مِائَةَ سَنَةٍ ما يقطعها، وتقوم على جِذْعٍ وَاحِدٍ؛ فَظِلُّهَا دَائِمٌ وَمَمْدُودٌ، وظلُّ الدُّنيا يزول ويُنْسَخُ بالشَّمس.
والظِّلُّ في الجنَّة ليس من باب حَجْبِ الأجسام للشَّمس، إنَّما هو نَعِيمٌ خَاصٌّ خَلَقَهُ اللهُ لأَهْلِ الجنَّة مُغَايِرٌ لِظِلِّ الدُّنْيَا، وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَمْدُودٌ؛ أي: ممتدًّا في الطُّول مِائَةَ عَامٍ ما تقطعه.
فظلُّ الجنَّة لا ينقطع، وأُكُلُهَا دَائِمٌ.
قوله: {وَمَاءٍمَسْكُوبٍ} .
أي: مَاءٍ مُسْتَمِرٍّ ليس رَاكِدًا، بل هو مَسْكُوبٌ يُصَبُّ مِنْ أَعْلَى؛ لأنَّ له مَنْظَرًا جَمِيلًا.
قوله: {وَفَاكِهَةٍكَثِيرَةٍ * لَامَقْطُوعَةٍوَلَامَمْنُوعَةٍ} .