فما خَلَقَهُ وما قدَّره لِحِكْمَةٍ وغايةٍ، وليس عَبَثًا.
خامسًا: تَنَزَّهَ اللهُ في كلامه عن النَّقائص؛ فهو في غاية الإحكام والكمال؛ فلا نَقْصَ في حِكْمَةٍ ممَّا شَرَعَ وَأَمَرَ به.
وكلامُ الله رِسَالَةٌ إلى كلِّ مُكَلَّفٍ، وجعله اللهُ بهذه الصُّورة؛ لأنَّه أعلى ما يمكن أن يستوعبوه.
والتَّسبيحُ عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ؛ فهو صلاةُ كلِّ شَيْءٍ، وكلُّ شَيْءٍ يسبِّح اللهُ بِحَمْدِهِ.
فالتَّوْحِيدُ الخالصُ يكون في التَّسبيح والحَمْدِ؛ فالتَّسبيحُ تنزيهُه عن كلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ، والحمدُ لِمَا يستحقُّه المحمودُ من صفات الكمال.
فإذا جمعتَ التَّسبيحَ والحمدَ، فقد جَمَعْتَ التَّوْحِيدَ.
والصَّلاةُ دَائِرَةٌ على التَّسبيح والتَّحميد والتَّكبير والاستغفار.
قوله: {العظيم} .
نَعْتٌ للرَّبِّ؛ فهو- سبحانه - عَظِيمٌ في ذاته، وأسماءُه عَظِيمَةٌ.
قوله: {فَلَاأُقْسِمُبِمَوَاقِعِالنُّجُومِ} أَقْسَمَ اللهُ أنَّالقرآنَ كَلامُهُ؛ فالفاءُ هنا المُرَادُ بها الاسْتِئْنَافُ.
{لا أقسم} فيها عدَّة أقوال:
- {لا أُقْسِمُ} المرادُ بها القسم، و «لا» زَائِدَةٌ للتَّأكيد، وليست للنَّفي.
-والقولُ الثَّاني: «لا» نَافِيَةٌ لِكَلامٍ قَبْلَهَا؛ أي: ليس الأَمْرُ كما تَزْعُمُونَ وَتَقُولُونَ بأنَّ القرآنَ كَلامُ بَشَرٍ.
وجوابُ القَسَمِ: {إنَّه لقرآن} .
-والقولُ الثَّالثُ: أنَّه نَفْيٌ لِلقَسَمِ؛ أي: ليس بِقَسَمٍأصلًا.
والأَظْهَرُ بِأَنَّهُ القَوْلُ الأوَّلُ؛ أنَّهُ قَسَمٌ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ.
والقَسَمُ يَكُونُ في ثلاثة أشياءَ؛ مُقْسَمٍ وَمُقْسَمٍ به، وَمُقْسَمٍ عليه؛ فالقَسَمُ مِنَ الله، والمُقْسَمُ بِهِ مَوَاقِعُ النُّجومِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ: {إنه لقرآن} .
قوله: {بمواقع النجوم} .
اخْتَلَفَ العلماءُ في المراد بالنُّجوم؛ لأنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ هنا تَنْزِيلُ القُرْآَنِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ نَظَرَ إلى المُقْسَمِ عَلَيْهِ، ففسَّره بِنُجُومِ تَنَزُّلِ القرآن؛ لأنَّ القُرْآَنَ لَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وإنَّما نَزَلَ مُنَجَّمًا حَسَبَ الحوادث والوقائع إلى أن تكامل نزولُه عند وفاة الرَّسول، ففسِّر بمواقع تنزُّل القرآن.
إمَّا مواقعُ مكانية كمكَّة والمدينة والطَّائف وتبوك، وإمَّا مواقع زمانيَّة؛ الَّتي نزل فيها القرآنُ على رسول اللهِ في ثلاثةٍ وعشرين سَنَةً.
-القولُ الثَّاني: منهم من أعمل الأصلَ، وفسَّر النُّجومَ بالنُّجوم الَّتي في السَّماء، والمواقع؛ أي: مَوْقِعَ مَكَانِهَا في السَّماء؛ لأنَّها تَحْرُسُ الوَحْيَ.
وهناك علاقةٌ بين النُّجوم وبين القرآن؛ فأقسمُ اللهُ بها؛ لأنَّه لمَّا نزل القرآنُ كانت الشَّياطينُ تُحَاوِلُ استراقَ السَّمع، فأرسل اللهُ عليها النُّجوم، كما قالت الجنُّ: {فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} .
فأقسم اللهُ أنَّالقرآنَ حَقٌّ من عنده، وأنَّ الشَّياطينَ معزولون عن السَّمع؛ لأنَّ اللهَ قضى على مسترق السَّمع بالنُّجوم. فهذه النُّجوم لها فوائدُ منها أنَّها رجومٌ للشَّياطين.
فكما أنَّاللهَ حَرَسَ السَّمَاءَ بالنُّجوم من مسترقي السَّمع، حَرَسَ - سبحانه -أيضًا قلوبَ عِبَادِهِ المؤمنين بالقرآن؛ فلا تتسلَّط عليهم الشَّياطينُ، والشَّيطانُ يَفِرُّ من البيت الَّذي تُقْرَأُ فيه سورةُ البَقَرَةِ.
قوله: {وَإِنَّهُلَقَسَمٌلَوْتَعْلَمُونَعَظِيمٌ} .
هذا القَسَمُأُكِّدَ بِخَمْسَةِ مؤكِّداتٍ؛ القسم الأوَّل: {أُقْسِمُ} ، ثمَّ بِنَفْيِ القسم: {لا أقسم} ، ثمَّأُكِّدَ بـ {إنَّ} المؤكِّدة، ثمَّ باللاَّم المُزَحْلَقَةِ، والخامس قوله: {عظيم} .