أي: وإنَّ هذا القَسَمَ الَّذي أقسمتُ به لَقَسَمٌ عظيمٌ، لو تعلمون عظمتَه، لعظَّمتموه.
وهذا يدلُّ على عظمة القَسَمِ، وَمَنْ عَرَفَ قَسَمَ الله وما أقسم به، فإنَّه يتأثَّر، وخصوصًا أهلَ العِلْمِ.
قوله: {لو تعلمون عظيم} .
أي: لو تعلمون عَظَمَتَهُ، لَعَرَفْتُمْ قُدْرَةَ الله وَحِكْمَتَهُ، فعظَّمتم اللهَ، وَعَبَدْتُمُوهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ.
نَبَّهَ - سبحانه- أنَّالمنتفعَ بِعِظَمِ القَسَمِ هم أَهْلُ العِلْمِ بالله، ونتيجة أنَّأكثرَ النَّاس لا يعلمون أي: لا يعلمون الحقَّ. صار انْطِبَاعُهُمْ بما أَقْسَمَ اللهُ به ضَعِيفٌ.
وقد أَقْسَمَ اللهُ العَظِيمُ بِمَخْلُوقٍ، ولله أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته؛ لأنَّه هو الَّذي خلقها وَقَسَمُهُ بها ليس لعظمتها، لكن للدِّلالة على أهمِّيَّتها والدِّلالة على عظمة المُقْسَمِ عليه.
قوله: {إِنَّهُلَقُرْآَنٌكَرِيمٌ} .
هذا هو المُقْسَمُ عليه، وأكَّد القَسَمَ بـ «إنَّ» واللاَّم.
{قرآن} اسْمٌ خَاصٌّ لكتاب الله، وَسُمِّيَالقرآنُ قُرْآنًا؛ لأنَّه يُتَعَبَّدُ بقراءته، كما وُصِفَ عُثْمَانُ: يقطع اللَّيل قرآنًا وتسبيحًا.
قوله: {كريم} هذا نَعْتٌ للقرآن؛ أي: لِكَثْرَةِ الخير فيه والبركة؛ فهو كَرِيمٌ في ثَوَابِهِ؛ الحَرْفُ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ.
كَرِيمٌ في حياة القلوب وشفائها، وَكَرِيمٌ في بيان الحقِّ؛ فأعظمُ الكلامِ كلامُ الله؛ لِعَظَمَتِهِ وَكَرَمِهِ وكثرةِ خَيْرِهِ، وَكَثْرَةُ خَيْرِ القرآن لا يَعْلَمُهَا إلاَّ من تكلَّم به.
عظمةُ القرآنُ تَكْمُنُ في أنَّالقرآنَمَنْ تكلَّم به عَظِيمٌ، ومن نَزَلَ به عَظِيمٌ، والمبلِّغُ به عَظِيمٌ.
القرآنُ ينتظر منَّا من يحبُّه وينتظر منَّا من يُجِلُّهُ وينتظر منَّا من يكرمه. وفي الحديث عن عمران بن الحصين قال: «إذا تكلَّم اللهُ بالكلمة من الوحي، أَخَذَتِ الملائكةَ رَعْدَةٌ شَدِيدَةٌ، حتَّى إذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: الحقَّ وهو العليُّ الكبيرُ» . لم أجده بهذا اللفظ.
فكيف بمن يَحْمِلُ كتابَ الله؟ وكيف بمن يُعَلِّمُ كِتَابَ الله؟
ينبغي للمعلِّم للقرآن أن يكون على عِلْمٍ بمنزلة وعظمة القرآن.
كان عَبْدُ الأعلى التَّيْمِيُّ يقول: «مَنْ أُوتِيَ من العلم مالا يُبْكِيهِ لَخَلِيقٌألاَّ يَكُونَ أُوتِيَ عِلْمًا يَنْفَعُهُ؛ لأنَّ الله- تعالى - نَعَتَ العلماءَ فقال: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا .. } إلى قوله: {يبكون ويزيدهم خشوعا} .
كلمةُ «كريم» تُطْلَقُ على من فاق جِنْسَهُ في أنواع صفات الكمال، وأطلق الكريم على القرآن؛ لأنَّه فاق جِنْسَ المقروآت والمكتوبات.
فَفَضْلُ كلام الله كما وَصَفَهُ نبيُّنا محمَّدٌ- صلَّى الله عليه وسلَّم - على سائر الكلام كَفَضْلِ الله- تعالى - على خَلْقِهِ.
قوله: {فِيكِتَابٍمَكْنُونٍ} .
تدلُّ على أنَّالقُرْآَنَ مَحْفُوظٌ وَمَصُونٌ ومستورٌ؛ لأنَّه بيد الملائكة، لا يراه أَحَدٌ إلاَّ الملائكةُ المقرَّبون؛ فلا تطَّلع عليه الشَّياطينُ، ولا يطَّلع عليه أيُّ مَخْلُوقٍ إلاَّ من أَذِنَ اللهُ له.
والمقصودُ أنَّ القُرْآَنَ مَكْتُوبٌ في اللَّوح المحفوظ، ثمَّ عُلِّمَهُ جِبْرِيلُ - عليه السلام -، وَجِبْرِيلُ عَلَّمَ نَبِيَّنَا محمَّدًا- صلَّى الله عليه وسلَّم - ونبيُّنا محمَّدٌ بَلَّغَأُمَّتَهُ.
فهو مَكْتُوبٌ في اللَّوح المحفوظ، ومحفوظٌ في الصُّدور، ومكتوبٌ في المصاحف.
قوله: {لَايَمَسُّهُإِلَّاالْمُطَهَّرُونَ} أي الملائكة؛ لأنَّهم مطهَّرون من الشِّرك والمعاصي؛ «فكلُّ من ترك المعاصي من البَشَرِ متطهِّرٌ؛ لأنَّ النَّجاسَةَ في القلب؛ إمَّا بِشِرْكٍ، وإمَّا بمعاصٍ» .