فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 581

يَقُولُ الله: {وَمَنْأَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا} . وسمِّي القرآنُ حديثًا؛ لأنَّه يتلوه، ولأنَّه أَفْضَلُ ما تحدَّث به النَّاسُفيما بينهم.

وفي الحديث: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِلاَّ غَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» . رواه مسلم و أبن ماجه و أحمد بلفظ (ما اجتمع)

قوله: {أَنْتُمْمُدْهِنُونَ} قيل: «المعنى: بعد هذا البيان والوضوح وأنَّه كلامُ الله أَتُدْهِنُونَ الكفَّارَ، فلا تَصْدَعُونَ بالحقِّ، ولا تبيِّنون الحقَّ؟ فيكونَ الخطابُ للمؤمنين» . وقيل: «إنَّالخطابَ للكفَّار؛ أيكون القرآنُ بهذه المَنْزِلَةِ العظيمة ثمَّ أنتم أيُّها المشركون مكذِّبون؟»

إذا كان اللهُ أَقْسَمَ بالقرآن بمواقِعِهِ على أَحَدِ التَّفسيرين، وَنَعَتَهُ بأنَّه كريمٌ، وَجَعَلَهُ في كتابٍ مَكْنُونٍ ولا يمسُّه إلاَّ المطهَّرون، وأنَّه تَنْزِيلُ ربِّ العالمين، أيكون بهذه المنزلة ثمَّ تكذِّبون به ولا تصدِّقون؟ والَّذي يظهر أنَّالخطابَ للمؤمنين.

قوله: {وَتَجْعَلُونَرِزْقَكُمْأَنَّكُمْتُكَذِّبُونَ} .

أي: المَطَرَ.

فَمَنْ جَعَلَ النَّوْءَ سببًا في نزول المطر وله تأثيرٌأَشْرَكَ، ومن جعله علامةً فلا شيءَ عليه.

قوله: {أَنَّكُمْتُكَذِّبُونَ} .

وَسَبَبُ ذلك أنَّالمشركين إذا أصابهم مَطَرٌ قالوا: «مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذا وكذا» . وينسبون المَطَرَ إلى الظَّواهر الكونيَّة.

فهؤلاء نَسَبُوا نزولَ المطر إلى الكواكب، فصاروا مكذِّبين. وهذا لا يجوز؛ لأنَّ الله هو الَّذي أنزله ودبَّره وساقه وَصَرَفَهُ ويحبسه؛ فالمطرُ ليس من الظَّواهر الكونيَّة.

مع أنَّهم يعلمون أنَّالَّذي يُنْزِلُ المَطَرَ هو الله، ولكن يجعلون للنَّوْءِ تَأْثِيرًا. والحقيقةُ أنَّالكواكبَ لا تَأْثِيرَ لها؛ لا استقلالًا، ولا تأثيرًا.

وهؤلاء ردُّوا الواقعَ وهو أنَّاللهَ هو المتفضِّلُ والمُنْعِمُ به فصار تكذيبًا، ولو لم يقولوا بصريح القول؛ لأنَّهم أخبروا بخلاف الواقع.

ولذلك عَلَّمَ نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - صَحَابَتَهُ عَقِيدَةَ التَّوحيد في نزول المطر بأن يقولوا: «مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ» . متفق عليه.

قوله: {فَلَوْلَاإِذَابَلَغَتِالْحُلْقُومَ} .

الحُلْقُومُ هو مجرى النَّفَسِ، والمَرِّيءُ مَجْرَى الطَّعام، واللهُ جَعَلَ الحُلْقُومَ حَلَزُونِيًّا وَبَيْنَهُ فَوَاصِلُ؛ فلوكان الحُلْقُومُ حَلْقَةً واحدةً، صَعُبَ عَلَيْهِ رَفْعُ رَأْسِهِ وإنزالُه.

{فلولا إذا بَلَغَتْ} أَيِ: الرُّوحَ. الحُلْقُومَ: وَصَلَتْ إلى مَرْحَلَةِ النِّهاية، وهذا مَوْقِفٌ صَعْبٌ، والمقصودُ: إذا بَلَغَتِ الرُّوحُ الحَلْقَ، وأصبحت تتردَّد؛ لِقُرْبِ خروجِها، كان المَوْقِفُ صَعْبًا.

قوله: {وَأَنْتُمْحِينَئِذٍتَنْظُرُونَ} .

أي: وأنتم تنظرون إلى هذا المُحْتَضِرِ، ومالكم حِيلَةٌ في مَنْعِهِ؛ ما أَحَدٌ يستطيع أن يقدِّم له شيئًا؛ لا طَبِيبٌ، ولا غَيْرُهُ.

قوله: {وَنَحْنُأَقْرَبُإِلَيْهِمِنْكُمْ} .

المرادُ بالقُرْبِ قُرْبُ الملائكة؛ لأنَّ الملائكةَ تأتي المُحْتَضِرَ، وَتَقْرُبَ منه حتَّى تتسابقَ على أَخْذِ رُوحِهِإنْكان مؤمنًا، وإن كان كافرًا.

فأنتم جالسون عند المَيِّتِ وبينَكم وبينَه مَسَافَةٌ، ولكنَّ الملائكةَأقربُ؛ لأنَّهم عند مَخْرَجِ النَّفْسِ يريدون الإمساكَ بهذه النَّفْسِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت