قوله: {وَلَكِنْلَاتُبْصِرُونَ} .
أي: لا تُبْصِرُونَ المَلائِكَةَ وهم موجودون عند الميِّت؛ فالمؤمنُ تَأْخُذُهُ ملائكةُ الرَّحمة، والكافرُ تَأْخُذُهُ ملائكةُ العذاب، كما في حديث البَرَاءِ بن عَازِبٍ.
قوله: {فَلَوْلَاإِنْكُنْتُمْغَيْرَمَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَاإِنْكُنْتُمْصَادِقِينَ} .
تحدَّاهم اللهُ في هذه الآيات وعجَّزهم. والمرادُ بمدينينأَيْ: مبعوثين ومحاسَبِينَ وَمَجْزِيِّينَ؛ لأنَّهم كانوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ والحسابَ.
فما دَامَأنَّكم لا تستطيعون أن تُرْجِعُوا تلك الرُّوحَ إذا خَرَجَتْ، فتبيَّن بهذا عَجْزُكُمْ وَقَهْرُكُم، ذَلِكُمْ وإنَّ هناك خَالِقًا قَادِرًا على البَعْثِ، كما أنَّهُ قَادِرٌ على إماتتكم.
وَخُتِمَتِ السُّورةُ بِذِكْرِ القيامة الصُّغرى، وهي المَوْتُ؛ فَذَكَرَ مَصِيرَ هذا الميِّت، وأين يذهب بعد الموت، وأحوال الموتى عند الاحتضار الثَّلاثة.
قوله: {فَأَمَّاإِنْكَانَمِنَالْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌوَرَيْحَانٌوَجَنَّةُنَعِيمٍ} .
هنا بَيَّنَ اللهُ حَالَ المحتضر الَّذي تكاد رُوحُهُ تُفَارِقُ بَدَنَهُ، والمقرَّبون والسَّابقون هم مَنْ فَعَلَ الواجبات والمستحبَّات، وَتَرَكَ المحرَّمات والمَكْرُوهَات، ولم يَسْتَغْرِقْ في المُبَاحَاتِ، كالأَكْلِ والشُّرب والنَّوْمِ وفضول النَّظر والكلام والمُخَالَطَةِ.
فكان جَزَاؤُهُمْ أَنْجَعَلَهُمُ اللهُ من المقرَّبين، وَبَشَّرَهُمْ عند المَوْتِ بثلاث بَشَائِرَ عَظِيمَةٍ، فيقول لها المَلَكُ عِنْدَ قَبْضِهَا: «أَبْشِرِي بِرُوحٍ وَرَيْحَانٍ وَجَنَّةِ نَعِيمٍ» .
قوله: {فَرَوْحٌ} .
المقرَّبُ في رَاحَةٍ عَظِيمَةٍ. وَفُسِّرَ بالرَّحمة.
والرَّوحُ هي الرَّاحةُ والاستراحة والرَّحمة بعد الموت؛ لأنَّ المؤمنَ المُقَرَّبَ يَمُوتُ وَيُلْقَى عنه المُؤْنَةُ والأَذَى، وَيَصِيرُ إلى الجنَّة.
وفي الحديث: «مُسْتَرِيحٌ» متفق عليه. أي: مِنْ مَصَائِبِ الدُّنيا، فَكَانَ يَعْمَلُ في الدُّنيا، فَارْتَاحَ مِنَ العَمَلِ، كَمَنِ انْتَهَى من العَمَلِ وَيَنْتَظِرُأَجْرَهُ وَحَالُهُ كالمتقاعد يأخذ رَاتِبَهُ بِدُونِ عَمَلٍ.
المؤمنُ إذا مات، خَرَجَ من الدُّنيا، وَخَرَجَ من السِّجْنِ، وما بَقِيَأمامه: «افعل» أو «لا تفعل» كما ورد في خصائص رَمَضَانَ، وتزيَّن الجنَّةُ كلَّ لَيْلَةٍ، وَيُقَالُ لها: «يُوشِكُ عِبَادِي الصَّالِحُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمُ المُؤْنَةَ وَالأَذَى وَيَصِيرُوا إِلَيْكِ» . رواه أحمد و البزار و المنذري.
الأمواتُ إذا لَقُوا المَيِّتَ يَقُولُونَ: «دَعُوهُ يَرْتَاحُ؛ فإنَّه أَتَى مِنْ هَمِّ الدُّنْيَا وَغَمِّهَا» . فما عَادَ هُنَاكَ خَوْفٌ على المؤمن بعد الموت، وما فيه حُزْنٌ على ما فات.
فيكون في رَاحَةٍ عَظِيمَةٍ، واستراحةٍ من العَنَاءِ الَّذي كان يُكَابِدُهُ في الدُّنيا؛ فالدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ.
قوله: {ورَيْحَانٌ} أي: سُرُورًا وَنِعْمَةً.
قوله: {وجنة نعيم} .
عمَّمَ {وجنَّة نَعِيمٍ} ؛ لأنَّ الجَنَّةَ دَارٌ خَلَقَهَا اللهُ للبَقَاءِ، وَجَعَلَهَا مَآَلًا وَسُكْنَى مَنْ رَحِمَ مِنْ عِبَادِهِ؛ فَهِيَ دارُ نَعِيمٍ في القلب، وَنَعِيمٍ في البَدَنِ.
وفي حَدِيثِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - رضي الله عنه - أنَّالمَلَكَ يقول لها عِنْدَ قَبْضِهَا: «أَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ» . وهذا مِنْ رَيْحَانِ الجَنَّةِ.
وحديث المسلسل: «إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» . ابن ماجه و صححه الألباني في صحيح ابن ماجة.