والصَّوابُ أنَّأَرْوَاحَ المؤمنين في الجنَّة على تَفَاوُتٍ فيما بَيْنَهُمْ؛ أمَّا الشُّهَدَاءُففي الحديثِ الآَخَرِ: أَيْنَأَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ؟ فقال: «أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ القَنَادِيلِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيحِهِ» .
وهذان الحَدِيثَانِ يَدُلاَّنِ على أنَّكلَّ مُسْلِمٍ مات مَنْ رحمهم اللهُ أنَّروحَه في الجنَّة؛ فالمؤمنُ رُوحُهُ تَكُونُ طَائِرَةً تعلَّق في شجر الجنَّة؛ أي: تَأْكُلُ. ولا ينتقل في أرجائها.
وأمَّا أرواحُ الشُّهَدَاءِ فهي في حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ متنقِّلةً في رياض الجنَّة، وتأوي إلى قناديل معلَّقةٍ في العَرْشِ.
ولهذا فَرَّقَ بَيْنَ كَوْنِهَا في جَوْفِ طَيْرٍ. هذا أَكْمَلُ في الحياة والنَّعِيمِ. وتذهب وتجيء وهذا يُعْطِينَا أنَّللشَّهيد مَزِيدَ فَضْلٍ وَنَعِيمٍ وكرامةٍ عند الله.
قوله: {وَأَمَّاإِنْكَانَمِنْأَصْحَابِالْيَمِينِ} .
وهم الَّذينَ أَتُوا بالواجبات، وتركوا المحرَّمات، لكنَّ فيهم نَقْصًا في المستحبَّات، والتَّنزُّه عن المكروهات.
قوله: {فَسَلَامٌلَكَمِنْأَصْحَابِالْيَمِينِ} .
فَسَلامٌ لك حَالَ كَوْنِكَ من أصحاب اليمين؛ أي: أصحابُ اليمين سالمون من العذاب؛ أي: سَلِمْتَ.
فتقول الملائكةُ لصاحب اليمين: «سَلامٌ لَكَ؛ إنَّك من أصحاب اليمين؛ وَعْدًا حَقًّا» .
فَهِيَ بِشَارَةٌ له بالجنَّة والسَّلامة من العذاب.
قوله: {وَأَمَّاإِنْكَانَمِنَالْمُكَذِّبِينَالضَّالِّينَ} .
وهم أصحابُ الشِّمالِ.
فَوَصَفَهُمُ اللهُ بِوَصْفَيْنِ، وَهَذَانِ الوصفان مكذِّبٌ وَضَالٌّ، وهما وصفان ملازمان لكلِّ كَافِرٍ كذَّبوا بالرُّسُلِ وضلُّوا عن الحقِّ، ذلك هو الضَّلالُ البعيدُ.
فيقول لهما المَلَكُ عند مفارقة أرواحهم أجسادَهم: «اخرجي إلى سَخَطٍ من الله وَغَضَبٍ» . ثمَّ ذَكَرَ اللهُ بَعْضَ عذابهم، وكيفيَّة استقبالهم.
قوله: {فَنُزُلٌمِنْحَمِيمٍ} .
أي: ضِيَافَةً مِنْ حَمِيمٍ؛ وهو الماءُ الحارُّ، والجوُّ الحارُّ، والمكانُ الحارُّ.
قوله: {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} أي: تُحْرِقُهُمُ النَّارُ.
قوله: {إِنَّهَذَالَهُوَحَقُّالْيَقِينِ} .
أي: هذا هو الواقع؛ لأنَّه حقُّ اليقين. وهو في الدُّنيا أنَّكلَّ ما أخبر الله به في الكتاب والسُّنَّة كلَّ ذلك حَقٌّ لا يقبل أدنى تشكيكٍ؛ لأنَّه أدركه بروحه وجسده الإدراكَ العلميَّ المحمودَ، وليس مجرَّدَ تصديقٍ لخبر الله ورسوله، بل رأى بقلبه وبصيرته كلَّ ذلك، فانتقل عنده الغَيْبُ كالشَّهادة، كما قال عليٌّ: «واللهِ لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ، ما ازْدَدْتُ يَقِينًا» .
يَقِينُهُ قَبْلَ كَشْفِ الغطاء كَيَقِينِهِ بَعْدَ كَشْفِ الغطاء، أمَّا أكثرُ النَّاس إذا جاءهم مَلَكُ الموت، كُشِفَتْ لهم الحقائقُ الَّتي كانت غائبةً عنهم.
اليَقِينُ ثَلاثُ دَرَجَاتٍ، وَمَثَّلَ له ابْنُ القَيِّمِ في «المَدَارِ» بمن أُخْبِرَ مِنْ ثِقَةٍ بأنَّ وَرَاءَ هذا الجبل نَهْرٌ، فصار لديه يَقِينٌ بذلك، ثمَّ لمَّا صَعِدَ الجبلَ بِنَفْسِهِ وَنَظَرَ شَاهَدَ النَّهْرَ كما وُصِفَ له؛ فحينئذٍ يرتفع اليَقِينُ لَدَيْهِ مِنْ مَرْتَبَةِ علم اليقين، إلى عَيْنِ اليَقِينِ، ثمَّ نَزَلَ مِنَ الجَبَلِ وَشَرِبَ من النَّهْرِ، فانتقل من عَيْنِ اليقين إلى مرتبة حقِّ اليَقِينِ؛ لأنَّه صار مُدْرِكًا له بجميع حواسِّه.
وهكذا الجنَّة وإخبارُ الرَّبِّ عن الدِّين وعن الآخرة وآياته؛ أي: هذا الَّذي أخبرناكم به من أحوال الموتى عند الاحتضار لَهُوَ الحقُّ الَّذي لاشَكَّ فيه، ولا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ.