فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 581

ثمَّ تحدَّثت عن المقارنة بين الدُّنيا والآخرة لمن كان له عَقْلٌ أو قَلْبٌ مُنِيبٌ، ثمَّ تحدَّثت عن وجوب الاستسلام لقضاء الله وَقَدَرِهِ، والتَّقرُّب إلى الله بالإنفاق في وُجُوهِ الخير.

ثمَّ تحدَّثت عن فضل الله على عباده بإرسال الرُّسُلِ، وإنزال الكتب، وتأييدهم بالمعجزات، وأنزل- تعالى - الحديدَ؛ لأنَّه نَاصِرٌ لرسله بالجهاد وإقامة العدل.

وَخُتِمَتِ السُّورةُبأنَّهذه الأمَّةَ وَرِيثَةُ الرُّسُلِ والكتب السَّابقة، وأنَّ اللهَأعطى هذه الأمَّةَ من الفضائل مالم يُعْطِ الأُمَمَ السَّابِقَةَ؛ لِعِلْمِهِأنَّها تَسْتَحِقُّ هذا الفَضْلَ.

قوله: {سَبَّحَلِلَّهِمَافِيالسَّمَوَاتِوَالْأَرْضِوَهُوَالْعَزِيزُالْحَكِيمُ} .

جاء التَّسْبِيحُ في القرآن بمختلف تصاريفه وَصِيَغِهِ؛ مُضَارِعٍ وماضٍ وأمرٍ ومصدرٍ في سبعةٍ وثمانينَ مَوْضِعًا، وافْتُتِحَتْ به سَبْعُ سُوَرٍ سُمِّيَتِ (المسبِّحات) وهي: الإسراء والحديد والحشر والصَّفُّ والجمعة والتَّغابن والأعلى، وخُتِمَتْ به سُوَرُ الحِجْرِ والطُّور والواقعة والحاقَّة.

التَّسْبِيحُ: هو التَّنْزِيهُ عن النَّقائص والمعائب؛ فَلَهُ الكمالُ المُطْلَقُ من كلِّ وَجْهٍ في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ فجميع المخلوقات تُنَزِّهُ اللهَ وَتُعَظِّمُهُ وتسبِّحُه وتقدِّسُه؛ لأنَّه إِلَهُ الخَلْقِ جميعًا، إلاَّ مَنْ شَذَّ مِنْ عُصَاةِ الإنس والجنِّ.

فهو المستحقُّ للتَّسبيح والتَّمجيد والتَّنزيه عن جميع النَّقائص، وإثباتِ صفات الكمال له.

وفيها تَذْكِيرٌ للمكلَّفين بأنَّ من لم يُسَبِّحْ فإنَّ الخَلْقَ جَمِيعًا يسبِّح اللهَ؛ {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} .

فهذه الآَيَةُ نَصٌّ صَرِيحٌ في العموم على أنَّه ما مِنْ شَيْءٍ في الكون إلاَّ وهو يسبِّح اللهَ بِلِسَانِ الحال والمقال.

عن أبي ذَرٍّ الغفاريِّ قال: «إِنِّي لَشَاهِدٌ عند النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - في حَلْقَةٍ، وفي يَدِهِ حَصًى، فَسَبَّحْنَ في يَدِهِ، وفينا أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، فَسَمِعَ تسبيحَهنَّ مَنْ فِي الحَلْقَةِ، ثمَّ دفعهنَّ النَّبيُّ إلى أبي بكرٍ، فسبَّحنَ مع أبي بكرٍ، سَمِعَ تسبيحهنَّ مَنْ في الحَلْقَةِ، ثمَّ دفعهنَّ إلى النَّبيِّ، فسبَّحْنَ في يَدِهِ، ثمَّ دَفَعَهُنَّ النَّبيُّ إلى عُمَرَ، فَسَبَّحْنَ في يده، وَسَمِعَ تَسْبِيحَهُنَّ مَنْ في الحَلْقَةِ، ثمَّ دَفَعَهُنَّ النَّبيُّ إلى عثمان بنِ عفَّان، فسبَّحْنَ في يده، ثمَّ دفعهنَّ إلينا، فلم يسبِّحنَ مع أحدٍ منَّا» .

قال الهيثميُّ في «مَجْمَعِ الزَّوائد» : «رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط» ، وفيه محمَّدُ بن أبي حُمَيْدٍ، وهو ضَعِيفٌ، وله طَرِيقٌ أَحْسَنُ من هذا في علامات النُّبوَّةِ، وإسنادُه صَحِيحٌ».

في «صحيح البخاريِّ» عن ابن مسعودٍ قال: «كنَّا نسمع تسبيحَ الطَّعام وهو يُؤْكَلُ» .كما رواه أحمدُ وَأَبُو يَعْلَى بزياداتٍ صَحِيحَةٍ.

فكلُّ مَنْأشرك بالله لم يُعَظِّمِ اللهَ، وكلُّ مَنْ عَصَى اللهَ لَمْ يقدِّسْه، وكلُّ مَنْأَلْحَدَ في أسمائه وصفاته لم يُعَظِّمِ اللهَ.

قوله: {وهو العزيز الحكيم} .

اسْمَانِ مِنْأَسْمَائِهِ، ويتضمَّنان صِفَتَيْنِ مِنْ صِفَاتِهِ؛ {العزيز} أي: ذا العِزَّةِ؛ فهو القويُّ الَّذي لا يُغْلَبُ، وَخَضَعَ لَهُ كلُّ شَيْءٍ، ومناسبتُها هنا لأنَّه يَنْتَقِمُ ممَّن لم يُسَبِّحْهُ.

والعزيزُ له ثلاثُ مَعَانٍ؛ الأول: القاهرُ الغلاَّبُ، والثَّاني: عَزِيزُ الجَنَابِ فلا يوصَل إليه بِشَيْءٍ من الأذى؛ فعزَّتُه لا تُرَامُ، والثَّالثُ: العزيز أي: له العزَّةُ والكبرياءُ، والحَكِيمُ في خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَشَرْعِهِ وتدبيره.

والحكيمُ له ثَلاثُ مَعَانٍ؛ الأول: يأتي بمعنى الحَكَمِ في كونه وفي شرعه.

والثَّاني: بمعنى المُحْكِمِ المُتْقِنِ؛ أَحْكَمَ كتابَه؛ {كِتَابُأُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} ، وأحكم خَلْقَهُ؛ {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت} .

والثَّالثُ: حَكِيمٌ أي: ذو حِكْمَةٍ؛ فله الحكمةُ البالغةُ والنَّافذةُ في كلِّ شَيْءٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت