فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 581

ولذلك بَيَّنَ اللهُ في آَخِرِ الآَيَةِ سَبَبَ استحقاقه للتَّسبيح؛ فهو مُنَزَّهٌ عن النَّقائص، وله الكَمَالُ المُطْلَقُ؛ فقد كَمُلَتْ له معاني العِزِّ والحِكْمَةِ والحُكْمِ والإحكام.

الخبرُ الثَّاني الدَّالُّ على عظمة الرَّبِّ ووجوب الإيمان به:

قوله: {لَهُمُلْكُالسَّمَوَاتِوَالْأَرْضِ} .

المُلْكُ المُطْلَقُ الَّذي لا يشاركه فيه أَحَدٌ لله، والمَلِكُ هو مَنْ يتصرَّف في مُلْكِهِ بِفِعْلِهِ وأمرِه، {وَكُلٌّ لَهُ قَانِتُون} ؛ أي: طائعون. فكلُّ المخلوقات تُطِيعُأَمْرَهُ الكَوْنِيَّ، ولا تستعصي عليه.

قوله: {يُحْيِيوَيُمِيتُ} .

فاللهُ هو الَّذي يُحْيي فَيُوجِدُ من العَدَمِ، ثمَّ يُمِيتُ الأحياءَ بَعْدَ حياتهم، ثمَّ يَبْعَثُهُمْأَحْيَاءً.

فالإحياءُ والإماتةُ مِنْ خصائص اللهِ؛ فلا يَقْدِرُ عليها غَيْرُهُ.

قوله: {وَهُوَعَلَاكُلِّشَيْءٍقَدِيرٌ} .

القُدْرَةُ كلُّها لله وَحْدَهُ؛ فهي شَامِلَةٌ لأيِّ شَيْءٍأَرَادَهُ اللهُ، ولا يستعصي عليه شَيْءٌ؛ فهي تَشْمَلُ ما يشاء اللهُ، وما لم يَشَأْهُ

وتقييدُ القدرة على ما يشاء الله هذا مذهب المتكلِّمين الأشاعرة والمعتزلة، وهي صحيحةٌ، ولكن لا يخرج منها مالم يشاء؛ فقدرةُ الله شاملةٌ وكاملةٌ لأيِّ شيءٍ شاءَه أو لم يَشَأْهُ؛ فهو قادرٌ على كلِّ شيءٍ.

الخبر الثَّالثُ من الأدلَّة الدَّالَّة على عظمة الرَّبِّ ووجوب الإيمان به قوله: {هَوَ الأَوَّلُ والآخِر} .

{هُوَالْأَوَّلُوَالْآَخِرُوَالظَّاهِرُوَالْبَاطِنُوَهُوَبِكُلِّشَيْءٍعَلِيمٌ}

هذه الآيةُ فيها بيانُ بطلانِ التَّسلسل الباطل؛ فلا يزال النَّاسُ يتساءلون حتَّى يقولوا: مَنْ خَلَقَ كذا وكذا؟ حتى يقولوا: من خَلَقَ اللهَ؟

وَمِنْ هنا هذه الآيةُ تبيِّن بطلانَ التَّسلسل، وأنَّ سِلْسِلَةَ المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أوَّلٍ ليس قَبْلَهُ شيءٌ، وتنتهي إلى آخرٍ ليس بَعْدَهُ شَيْءٌ.

قَرَنَ اللهُ بين هذين الاسمين الدَّالَّين على هذين المعنيين؛ فالأوَّلُ والآخرُ اسمان متقابلان لأوَّليَّته وآخرته وأزليَّته.

وهذان الاسمان العظيمان لله يدلَّان على عِظَمِ الرَّبِّ، وأنَّه أوَّلٌ بلا ابتداءٍ، وأنَّه آخرٌ بلا انتهاءٍ، كما فسَّرهُ النَّبيُّصلَّى الله عليه وسلَّم.

كان إذا أَوَى إلى فراشه قال: «اللَّهمَّ أنت الأوَّلُ فليس قَبْلَكَ شَيْءٌ، وأنت الآخرُ فليس بَعْدَكَ شَيْءٌ» . رواه مُسْلِمٌ.

وإنَّهُ أَوَّلُ كلِّ شَيْءٍ، وآخرُه؛ فكما له سَبْقُ الأوَّليَّة له بَقَاءُ الأخرية، فكان اللهُ ولم يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وكان اللهُ وكلُّ شيءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ.

فهذه الآيةُ تَلْغِي على الشَّيطان إذا قال من خَلَقَ الله؟ فتقول: كان اللهُ ولم يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ ولم يَكُنْ شَيْءٌ معه ولم يكن شَيْءٌ غَيْرُهُ.

وكما في شرح «العقيدة الطَّحاويَّة» : «أَوَّلٌ بلا ابتداءٍ، وهو الآخرُ بلا انتهاءٍ، وتفرَّد بالبقاء، فأوجد الكونَ ثمَّ سَيَفْنَى هذا الكونُ كلُّه، فكما أَوْجَدَ الكَوْنَ مِنَ العَدَمِ قَادِرٌ على أن يُفْنِيَهُمْ، وهو مُسْتَغْنٍ عنهم، فيبقى كما كان أوَّلًا؛ كان اللهُ ولم يَكُنْ شَيْءٌ معه» .

عمرانُ بْنِ حُصَيْنٍ - رضي الله عنهما- قال: دَخَلَ على النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فقال: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ» .

قالوا: قد قَبِلْنَا يا رسولَ الله. قالوا: جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عن هذا الأمر. قال: «كان اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ» . رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت