فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 581

وهذا يُعْطِينَا أنَّالأمرَ ابْتِدَاءٌ مِنَ الله، وإليه ينتهي ويرجع، فكان اللهُ قَبْلَ وجود الموجودات، وكان اللهُ بَعْدَ فَنَاءِ المخلوقات.

قوله: {وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ} .

أمَّا عبوديَّته باسم الظَّاهر والباطن، فكما فسَّرهُ النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - كان إذا أَوَى إلى فراشه قال: «أَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ» . رواه مسلمٌ.

قال ابنُ القيِّم: «ولهذا يَقْرِنُ اللهُ بين هذين الاسمين الدَّالَّيْنِ على هذين المعنيين؛ اسْمِ العُلُوِّ الدَّالِّ على أنَّه الظَّاهرُ، وأنَّه لا شَيْءَ فَوْقَهُ، وَاسْمِ العَظَمَةِ الدَّالِّ على الإحاطة، وأنَّه لا شَيْءَ دُونَهُ» .

فهو العالي على خَلْقِهِ بِذَاتِهِ، فليس فَوْقَهُ شَيْءٌ، وهو الباطنُ بذاته فليس دُونَهُ شَيْءٌ، فَبَطَنَ فكان أَقْرَبَ إلى الشَّيْءِ من الشَّيْءِ نَفْسِهِ، وهو مُحِيطٌ به، ولا يحيط الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ، وكلُّ شيءٍ في قَبْضَتِهِ.

وهناك قُرْبٌ خَاصٌّ مِنْ عِبَادِهِ المؤمنين، كَقُرْبِهِ من دَاعِيهِ وَذَاكِرِهِ، لكنَّه غَيْرُ قُرْبِ الإحاطة، وَقُرْبِ البطون.

المقصودُ به أنَّه- سبحانه - الظَّاهِرُ على كلِّ شَيْءٍ بِذَاتِهِ وصفاته؛ فهو العالي فَوْقَ خَلْقِهِ مُسْتَوٍ على عرشه، فليس فَوْقَهُ شَيْءٌ.

فالظَّاهر والباطن اسمان متقابلان لعلوِّه ودنوِّه؛ فهو عَالٍ، وهو قَرِيبٌ.

وقد فسَّر نبيُّنا محمَّدٌ- صلَّى الله عليه وسلَّم - هذه الآَيَةَ بقوله: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآَخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ» . رواه مسلم.

قوله: {وهو بكل شيء عليم} .

أي: فَمَعَ كَمَالِ قُدْرَتِهِ وإحاطة علمه، أوجد الخَلْقَ بِعِلْمِهِ وقدرته وحكمته، وهو أيضًا قادرٌ على إفنائهم بعلمه وقدرته وحكمته؛ فَمِنْ رَحْمَتِهِأنَّاللهَ خَلَقَ الخَلْقَ لِغَايَةٍ تراد بهم، وهي معرفتُه وعبادتُه وَحْدَهُ، وغايةٍ تراد منهم على الثَّواب والعقاب. فريق في الجنة وفريق في السعير

وهذا التَّقديرُ الأزليُّ ليس فيه شائبةُ إكراهٍ ولا قَسْرٍ ولا جَبْرٍ، إنَّما ربُّنا - جلَّ وعلا - يَعْلَمُ الأمورَ المَاضِيَةَ والحاضرة والمستقبلة، ويعلم ما سيقع في كونه وفي ملكه. قبل وقوعه

فَكَوْنُهُ يعلم أنَّهذا سيختار الكفرَ أو أنَّهذا سيختار الإيمان ليس في هذا جَبْرٌ ولا إكراهٌ؛ فاللهُ - جلَّ وعلا - لا تَخْفَى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السَّماء، وليس حالُه كحال المخلوقات؛ لا نعلم الأشياءَ إلاَّ بَعْدَ وقوعها.

ولو قيل لنا: فُلانٌ سَيُخْتَمُ له على الإيمان أو الكفر؟ لَقُلْنَا: لا نَدْرِي. ولو كان اللهُ - سبحانه وتعالى- كحالنا، لما كان إلهًا - سبحانه وتعالى- وتنزَّه، بل هو بكلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَسْتَوِي في عَمَلِهِ ما وقع وما سيقع.

فالكلُّ عِنْدَهُ سَوَاءٌ، ولذلك العِلْمِ صِفَةُ انكشافٍ يَعْلَمُ بها ربُّنا - جلَّ وعلا - الأَشْيَاءَ على ما هي عَلَيْهِ؛ وَقَعَتْ أَمْ لَمْ تَقَعْ.

بَعْدَ أَنْبَيَّنَأبديَّتَه وأزليَّتَه وفناءَ الكون وبقاءَ مَنْ خُلِقَ له وهو الإنسان ينقله إلى دار المقرِّ، بَيَّنَ هنا أنَّه هو الَّذي أَوْجَدَ الكونَ بعد ذلك.

قوله: {هُوَالَّذِيخَلَقَالسَّمَوَاتِوَالْأَرْضَفِيسِتَّةِأَيَّامٍ} .

هذا الخَبَرُ الرَّابعُ من الأدلَّة والبراهين على وجوب الإيمان بالله، والكفر بما سِوَاهُ.

بَيَّنَ - سبحانه- أنَّالسَّماواتِ والأرضَ مَخْلُوقَةٌ له؛ فكلُّ حركةٍ في الكون على اختلاف أنواعها دالَّةٌ على عظمة الله وربوبيَّته ووحدانيَّته، ودالَّةٌ على النُّبُوَّاتِ وَصِدْقِ رُسُلِهِ والمعاد.

قوله: {في ستة أيام} .

خَلَقَ اللهُ الكونَ كلَّه العالمَ العلويَّ والعالم السُّفْلِيَّ دار التَّكليف في ستَّة أيَّام؛ بَدْءًا بالأحد، وانتهاءً بالجمعة، وسُمِّيَ يوم الجمعة؛ لأنَّه اجْتَمَعَ فيه الخَلْقُ، وَتَكَامَلَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت