فهرس الكتاب
وكان آخِرُ المخلوقات آدَمَ؛ لأنَّه المعنيُّ، وهو المكلَّفُ، وهذا الكونُ كلُّه مُسَخَّرٌ لهذا المكلَّف، فإن قام بعبادة الله، دَخَلَ الجنَّة، وإن كَفَرَ بالله، دَخَلَ النَّارَ.
جاء عددُ الأيَّام مُجْمَلًا في أكثر الآيات، وَذُكِرَ مُفَصَّلًا في سورة «فصِّلت» ؛ فَخَلَقَ اللهُ الأرضَ في أربعة أيَّامٍ مع صِغَرِهَا؛ لأنَّ فيها وَدَائِعَ وفيها أسرارٌ عَجِيبَةٌ؛ ممَّا جَعَلَ اللهُ فيها من أنواع الحياةِ، وَخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ، فالمَجْمُوعُ سِتَّةُ أيَّامٍ.
وهو قادرٌ - سبحانه - أن يَخْلُقَهَا كلَّها في لَحْظَةٍ، ويجعلها كائنةً بدون أَسْبَابٍ، ولكن في خَلْقِهَا في هذه المُدَّةِ دَلِيلٌ على كمال علمه وحكمته.
فغالبًا ما يَقْرِنُ اللهُ بين صِفَتَيِ العِلْمِ والحِكْمَةِ؛ {عليم حكيم} ، و {حكيم عليم} .
وفيها أيضًا بيانُ أنَّالكمالَ يكون بالتَّدرُّج، وَوَضْعِ الأمور وَفْقَ ما يناسبها؛ ليبيِّن لعباده أن يَسْلُكُوا التَّدرُّجَ في كلِّ شَيْءٍ، وفي جميع الأمور؛ في أَسْفَارِهِ، وفي أَكْلِهِ، وفي خَلْقِهِ، حتَّى خَلَقَ الإنسانَ متدرِّجًا.
وفي طَلَبِ العلم وفي الدَّعوة إلى الله، ثمَّ خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ مرتَّبًا بعضُه على بعضٍ؛ تبدأ بالأولويَّات في الأمور.
ولذلك خَلَقَ - سبحانه - هذا الكَوْنَ على هذا النَّحْوِ العجيب والبديع، وتحارُ فيه العقولُ، وَنَوَّعَ اللهُ فيه الأدلَّةَ الدَّالَّةَ على الله، وعلى وحدانيَّته، وعلى كمال صفاته وأسمائه، وعلى صِدْقِ رُسُلِهِ، وعلى أنَّلِقَاءَهُ حَقٌّ لارَيْبَ فيه، ثمَّأخبر عن استوائه على العرش.
قوله: {ثُمَّاسْتَوَاعَلَاالْعَرْشِ} .
أي: علا وارتفع على العرش، والعرشُ فوقَ السَّماوات، وهو أعلى المخلوقات وَسَقْفُهَا، وَبَعْدَ العَرْشِ الكُرْسِيُّ، وهو مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ، ثمَّ يَلِيهِ البَحْرُ، ثمَّ السَّبْعُ الطِّبَاقُ، والله فَوْقَ ذلك كلِّه.
بَيَّنَ - سبحانه - نِسْبَةَ السَّماوات السَّبْعِ للكرسيِّ كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ، أَوْ سَبْعَةِ دَرَاهِمَ في تُرْسٍ، ونسبةُ الكرسيِّ الَّذي هو مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ كَحَلْقَةٍ في فلاةٍ، ثمَّ بَيَّنَ عَظَمَةَ العرش، وأنَّه لا يُقَدَّرُ بِقَدْرٍ.
وهذا كلُّه يدلُّ على عَظَمَةِ الخالق؛ فلا يُحِيطُ به شَيْءٌ، فكيف بذاته؟
ولذلك وَرَدَ في الحديث: «تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللهِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي اللهِ، فَتَهْلَكُوا» . رواه ابن حبان و الطبراني في الأوسط (ضعيف) لَكِنْ تَفَكَّرْ في عظمة المخلوقات؛ لِتَدُلَّكَ على عظمة الخالق.
فَمَعَ عُلُوِّهِ فاللهُ وَاسِعٌ كَبِيرٌ، وهو على كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وكلُّ ما يجري في هذا الكون كلُّه لا يَخْفَى على الله؛ لا ظاهرُه ولا باطنُه.
قال شيخُنا الطَّحَّانُ: «وعرشُ الرَّحمن فوقَ المخلوقات كلِّها، ولا يوجد فَوْقَهُ شيءٌ مخلوقٌ؛ لا يوجد إلاَّ الخالقُ - جلَّ وعلا - فالمخلوقاتُ كلُّها تَحْتَ العَرْشِ.
ولذلك يُقالُ: «العَالَمُ من عرشه إلى فَرْشِهِ مَخْلُوقٌ» ، أو مِنْ عُلُوِّهِ إلى سُفْلِهِ؛ وهو الأرضُ السَّابعةُ.
قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَاللهُ فَوْقَ العَرْشِ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» . رواه أحمد و الترمذي و أبوادوود و ابن ماجه على اختلاف يسير.
والعرشُ هو أكبرُ المخلوقات، تَحْمِلُهُ ثَمَانِيَةٌ من الملائكة، كما أخبرنا اللهُ عن ذلك في كتابه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة} .
وهؤلاء الثَّمانيةُ يتجاوبون بِصَوْتٍ رَقِيقٍ رَخِيمٍ؛ فأربعةٌ منهم يقولون: «سُبْحَانَكَ اللَّهمَّ وبحمدك على حِلْمِكَ بعد عِلْمِكَ» ويجيبُهم الأربعةُ الآخرون: «سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك على عفوك بعد قدرتك» .
هذا هو تسبيحُ حملة العرش، وهذا ثَبَتَ بإسنادٍ صحيحٍ عن حسَّان بن عطيَّة، وله حُكْمُ الرَّفع إلى النَّبيِّصلَّى الله عليه وسلَّم.