فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 581

ومعنى هذا: اللهُ - سبحانه وتعالى - يَعْلَمُ ما نعمل، ولولا حِلْمُهُ، لَمَا تَرَكَ على الأرض مِنْ دابَّةٍ، وهو قَدِيرٌ على عقوبتنا، فلولا عَفْوُهُ لأَهْلَكَنَا.

قوله: {ثُمَّاسْتَوَاعَلَاالْعَرْشِ} .

واستواؤه على العرش استواءٌ يَلِيقُ بِجَلالِهِ، وَصِفَةُ الاستواء على العرش نقول فيها ما نقول في سائر الصِّفات؛ فالاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مَجْهُولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤالُ عنه بدعةٌ، وإيمانُنا بصفات ربِّنا إقرارٌ وإمرارٌ؛ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} إمرارٌ، {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} .

إقرارٌ فنقرُّ بالصِّفة ومعناها دُونَ البحث في كيفيّتها، وكلُّ ما خَطَرَ بِبَالِكَ، فالله بِخِلافِ ذلك.

وهو ليس بِحَاجَةٍ إلى العَرْشِ، والاستواءُ صِفَةٌ فِعْلِيّةٌ، وأمَّا علوُّه -سبحانه - فهي صفةٌ ذَاتِيَّةٌ.

قال الإمامُ الأوزاعيُّ: «كنَّا نقول والتَّابعون متوافرون: اللهُ فَوْقَ عَرْشِهِ على سماواته بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ» .

قوله: {يَعْلَمُمَايَلِجُفِيالْأَرْضِوَمَايَخْرُجُمِنْهَا} .

وَكَوْنُهُ فَوْقَ المخلوقات كلِّها وأنَّه على العرش فلا يَخْفَى عليه ما في الكون كلِّه. وهذا يدلُّ على إحاطة عِلْمِهِ بكلِّ شَيْءٍ.

قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَاللهُ فَوْقَ العَرْشِ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» . سبق تخريجه.

فَيَعْلَمُ ما يَدْخُلُ في الأرض من حَبٍّ وَقَطْرٍ وَأَمْوَاتٍ، وكلُّ ما يُدْفَنُ في الأرض وما طَوَتْ في بَاطِنِهَا وغير ذلك، فاللهُ يَعْلَمُهُ، ولا يَخْفَى عليه شَيْءٌ.

قوله: {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} .

من نَبَاتٍ وَزَرْعٍ وَثِمَارٍ وكنوزٍ وغير ذلك مِنَ الخيرات.

قوله: {وَمَايَنْزِلُمِنَالسَّمَاءِ} .

من مَطَرٍ وَوَحْيٍ وأقدارٍ وأحكامٍ وملائكةٍ؛ كلُّه يَعْلَمُهُ اللهُ.

قوله: {وَمَايَعْرُجُفِيهَا} .

أي: ما يَصْعَدُ إلى السَّماء من ملائكةٍ وأعمالٍ.

قوله: {وَهُوَمَعَكُمْأَيْنَمَاكُنْتُمْ} .

أي: معكم بعلمه وإحاطته وقُدْرَتِهِ؛ أي: معنا بِعِلْمِهِ، وليس بِذَاتِهِ؛ فهو قَرِيبٌ مِنَّا، يَرَانَا مَكَانَنَا، ويسمع كلامَنَا، ولا يَخْفَى عليه شَيْءٌ مِنْأَمْرِنَا.

والمَعِيَّةُ نَوْعَانِ: مَعِيَّةٌ عَامَّةٌ مع جميع خَلْقِهِ بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وإحاطَتِهِ، ومعيَّةٌ خاصَّةٌ بالمؤمنين، كما قال اللهُ لموسى: {إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} ، وهي مَعِيَّةُ نَصْرٍ وَتَأْيِيدٍ وإعانةٍ.

قوله: {وَاللَّهُبِمَاتَعْمَلُونَبَصِيرٌ} .

أي: يعلم من يستحقُّ الهِدَايَةَ، ومن يستحقُّ الضَّلالَ؛ فيوفِّق صاحبَ الهداية، وَيَخْذُلُ صاحبَ الضَّلال

وإذا عَلِمْتَ بعلمه أنَّهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَعَلِمْتَأنَّهُ بَصِيرٌ، فَأَيْنَ تَذْهَبُ؟

الرُّؤيةُ الَّتي بمعنى إدراك المبصرات ثلاثة أقسام:

-إثباتُ صفة البصر لله، وأنَّه يرى عِبَادَهُ، ويرى أعمالَهم. ففي الآية إثباتُ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَيَيْهَا: الرُّؤْيَةِ العلميَّة، والرُّؤيةِ البصريَّةِ.

فنستفيد من الإيمان بها الخَوْفَ والرَّجَاءَ: الخَوْفَ عند المعصية؛ لأنَّ اللهَ يرانا، والرَّجاءَ عند الطَّاعة كذلك.

قوله: {لَهُمُلْكُالسَّمَوَاتِوَالْأَرْضِوَإِلَااللَّهِتُرْجَعُالْأُمُورُ} .

قدَّم الجارَّ والمجرورَ لإثبات الاختصاص؛ فهو مَالِكٌ لها، وَمَلِكٌ عَلَيْهَا، وهذا هو مِلْكُهُ، ومهما عَظُمَ ملكُ ابْنِآدَمَ فهو ضَعِيفٌ، ومحدودٌ، وَمُؤَقَّتٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت