فهرس الكتاب
أي: هو مالكٌ للدُّنيا والآخرة، وَتَنْتَهِي الأمورُ كلُّها إليه، وَمِنْهَا أعمالُ العباد، فيحاسبَهم ويجازيَهم عليها.
فجميعُ الأمور كلُّها تنتهي إليه، وهذا راجعٌ إلى تدبيره؛ فكلُّ ما يحدث من الأمور صَغُرَتْأم كَبُرَتْ مَرْجِعُهَا إلى الله، وإذا اسْتَشْعَرَ الإنسانُ أنَّمَرْجِعَ الأمور إلى الله كلِّها، لم يَرْجُ إلاَّ ربَّه، ولم يَخَفْ إلاَّ ذَنْبَهُ.
قوله: {يُولِجُاللَّيْلَفِيالنَّهَارِوَيُولِجُالنَّهَارَفِياللَّيْلِ} .
الإيلاجُ: إدخالُ شَيْءٍ في شيءٍ على رِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ، ولذلك النَّهارُ يَدْخُلُ في اللَّيل شيئًا فشيئًا، حتَّى يمتزجا، فيقضي أحدُهما على الآخر.
أي: يَدْخُلُ هذا في هذا، فيطول اللَّيْلُ في الشِّتَاءِ، ويَقْصُرُ في الصَّيف، وَلَوِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ كلُّهم على إدخال جُزْءٍ يَسِيرٍ في اللَّيل أو جُزْءٍ يسيرٍ في النَّهار، لما استطاعوا؛ لأنَّ اللهَ وَحْدَهُ هو المتصرِّفُ في الخَلْقِ، ويقدِّرُها بِحِكْمَتِهِ كما يشاء؛ فكلُّ ذلك بحكمته وتقديره لما يريده بِخَلْقِهِ.
ودخولُ اللَّيل في النَّهار والعكس إذا تأمَّله العبدُ يدلُّ على عَظِيمِ صُنْعِ الله وتقديره للأشياء.
قوله: {وَهُوَعَلِيمٌبِذَاتِالصُّدُورِ} .
أي: يَعْلَمُ السَّرَائِرَ وَإِنْ دَقَّتْ وَخَفِيَتْ. والَّذي في الصُّدور هو القلوبُ، ولهذا اللهُ يَجْزِي العَبْدَ على حُسْنِ ظَنِّهِ بالله، وهو عَمَلٌ خَفِيٌّ، ويجزي العبدَ على أعماله القلبيَّة؛ مِنْ تَوَكُّلٍ وإنابةٍ ومحبَّةٍ، وقد يكون فيها العَكْسُ، أَوْهَامٌ وأفكارٌ قد تَكُونُ وَبَالًا عليه.
وإذا آَمَنَّا بِذَلِكَ وأيقنَّا، دَعَانَا ذلك إلى مراقبته، وإلى طاعته وَتَرْكِ معصيته.
قوله: {آَمِنُوابِاللَّهِوَرَسُولِهِ} .
المخاطبُ بهذا الأمر هم أهلُ الإيمان بالله ورسوله؛ فهناك آياتٌ كَثِيرَةٌ فيها الأمرُ بالإيمان لِمَنْ هو مُمْتَثِلٌ الأَمْرَ.
وَمِنْ ثَمَّ قاعدةٌ في اللُّغة؛ إذا كان متَّصفًا بهذا الوصف وهو متحقِّقٌ بها وقائمًا به، فهذا يُفِيدُ شَيْئَيْنِ؛ أن يحقِّق الأكملَ من الوَصْفِ، وَيَرْتَقِيَ فيه إلى الكمال، والثَّاني أن يَثْبُتَ ويستمرَّ ويُدَاوِمَ، كما في قوله تعالى: {يا أيُّها الَّذِين آمَنُوا آمِنُوا} ، وكما في قوله: {يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ} .
ولذلك قال الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: «أَمَرَ اللهُ عِبَادَهُ المؤمنين بالإيمان به ورسوله على الوجه الأكمل، والدَّوام والثَّبات على ذلك باستمرارٍ» .
فالمخاطَبُ بهذا الأمرِ هم أهلُ الإيمان بالله ورسوله؛ لأنَّ حقيقةَ الإيمان هو الإيمان بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - رسولًا ونبيًّا، وهو الإيمان بأركان الإيمان السِّتَّة.
فَأَمْرُهُ للمؤمنين يَقْتَضِي أَمْرَيْنِ: أَمْرَهُمْ بِتَحْقِيقِ الإيمان على الوَجْهِ الأكملِ بِحَسَبِ الوُسْعِ، وَأَمْرَهُمْ بالثَّبات والمُدَاوَمَةِ والاستمرار على مُقْتَضَى الإيمان.
أمَّا علامةُالايمان فالجواب؟
مِنْ أعظم علامات الإيمان الإنفاقُ في سبيل الله.
قوله: {وَأَنْفِقُوامِمَّاجَعَلَكُمْمُسْتَخْلَفِينَفِيهِ} .
فَبَعَدْ الأمر بالإيمان ذَكَرَ بعدها إحدى ثَمَرَاتِ الإيمان، وهي الإنفاقُ، وهو من أعظم القُرُباتِ، وهو برهانٌ على صحَّة الإيمان.
والنَّفَقَةُ الواجبةُ تَشْمَلُإِخْرَاجَ الزَّكَاةِ، وتشمل أَدَاءَ الحُقُوقِ الوَاجِبَةِ، كالنَّفَقَةِ على الأهل والعيال، وَتَشْمَلُ النَّفَقَةَ في الجهاد الواجب.
والنَّفَقَةُ الواجبةُ بأقسامها الثَّلاثة دليلٌ على إيمان صاحبه؛ لأنَّ الإيمانَ يُخَلِّصُ صَاحِبَهُ مِنَ الشُّحِّ، والشُّحُّ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، ويأتي الإنسانُ في أشياء كثيرةٍ.