فهرس الكتاب
ومنه الشُّحُّ بالمال وبالنَّفس عن طاعة الله، وبالوقت؛ فالشُّحُّ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ على تَرْكِ الطَّاعَةِ، والوقوعِ في المعاصي؛ فَمِنْأسباب هلاكِ الأُمَمِ الشُّحُّ.
ففي الحديث: «وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» . رواه مسلمٌ.
وفي رواية «الصَّحِيحَيْنِ» : «إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ؛ أَمَرَهُمْ بِالبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالفُجُورِ فَفَجَرُوا» . زَادَأَحْمَدُ: «وَأَمَرَهُمْ بِالقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا» .
فالشُّحُّ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ على تَرْكِ الطَّاعَةِ، والوقوع في المعاصي، فمن تخلَّص من الشُّحِّ فقد أَفْلَحَ وحقَّق الإيمانَ.
ولذلكأَمَرَنَا اللهُ في هذه الآية بالإيمان والإنفاق.
وفي «صحيح مسلمٍ» وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي عِتْقِ رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا عِنْدَ اللهِ الدِّينَارُ الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» .
وفي «مسند الإمام أحمد» و «صحيح مسلمٍ» عَنْ ثَوْبَانَ- رضي اللهُ عنه - عن نبيِّنا - عليه الصَّلاةُ والسَّلام - أنَّه قال: «أَفْضَلُ دِينَارٍ أَنْفَقْتَهُ عَلَى عِيَالِكَ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى فَرَسِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَصْحَابِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ» .
قال أبو قُلابَةَ: «بَدَأَ رَسُولُ اللهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم - بالعِيَالِ» .
رَوَى الحَاكِمُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - قال: ذُكِرَ لي أنَّالأعمالَ تَتَبَاهَى عند الله - جلَّ وعلا - فَتَقُولُ الصَّدَقَةُ أَنَا أَفْضَلُكُمْ.
الأَعْمَالُ تَتَبَاهَى عِنْدَ ذِي العِزَّةِ والجلال، فتتكلَّم الصَّدَقَةُ وتقول: أَنَا أَفْضَلُ الطَّاعات؛ لأنَّها طاعةٌ متعدِّيَةٌ.
قوله: {مُسْتَخْلَفِينَ فِيه} .
أي: ممَّا معكم؛ فهو معكم على سبيل العَارِيَةِ، وأنت مُسْتَخْلَفٌ في هذا المال؛ لأنَّ المَالَ مَالُ اللهِ؛ {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُم} .
وفي الأَثَرِ: «يَقُولُ اللهُأَمْوَالُنَا رَجَعَتْإِلَيْنَا، سَعِدَ بها من سَعِدَ، وَشَقِيَ بها مَنْ شَقِيَ، فإمَّا أن يُطِيعَ اللهَ بما أَنْعَمَ عليه، وإمَّا أن يَعْصِيَ اللهَ فيه، فالمالُ يَسْأَلُ مِنْأَيْنَ اكتسبه، ويسأل عن محلِّ صَرْفِهِ، فإذا تخلَّص من هذا سُئِلَ سُؤَالًاآَخَرَ، هل شَكَرَ اللهَ عليه، فاستعان به على طاعته أَوْ لا» .
وفيه إِشَارَةٌ وَتَنْبِيهٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنْ مَالِكَ إلاَّ ما أنفقتَ وتصدَّقتَ؛ «يَقُولُ ابْنُآَدَمَ مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتِ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟» . رواه مسلم.
قوله: {فَالَّذِينَآَمَنُوامِنْكُمْوَأَنْفَقُوالَهُمْأَجْرٌكَبِيرٌ} .
الفاءُ هنا لتَّرتيب النَّتيجة، و «منكم» بَيَانِيَّةٌ، وَلَيْسَتْ للتَّبْعِيضِ؛ فليس المعنى أنَّ بَعْضَ أهل الإيمان لهم أَجْرٌ كبيرٌ، بل المعنى: كلُّ مُؤْمِنٍآَمَنَ وَأَنْفَقَ فَلَهُأَجْرٌ كَبِيرٌ.
قوله: {وَمَالَكُمْلَاتُؤْمِنُونَبِاللَّهِوَالرَّسُولُيَدْعُوكُمْلِتُؤْمِنُوابِرَبِّكُمْوَقَدْأَخَذَمِيثَاقَكُمْإِنْكُنْتُمْمُؤْمِنِينَ} .
فيه نَوْعٌ من التَّوبيخ لِمَنْ لَمْ يؤمن، أو لضعيف الإيمان؛ لأنَّ اللهَأَقَامَ عليه الحُجَّةَ؛ أيُّ شيءٍ يمنعكم من الإيمان؟ وما حُجَّتُكُمْ؟ وما عُذْرُكُمْ؟ إنَّكم لا تؤمنون بالله والرَّسولُ دعاكم بنفسه ومعه حُجَجٌ وبراهينُ، فلماذا لا تؤمنون؟
ولذلك لا تقوم الحُجَّةُ فقط بالبراهين العقليَّة والآيات الكونيَّة. لابُدَّ مِنْإِرْسَالِ الرُّسُلِ، وإنزال الكُتُبِ.