فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 581

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ في أوائل شرح كتاب الإيمان من «صحيح البخاريِّ» أنَّرسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال يومًا لأصحابه: «أَيُّ المُؤْمِنِينَ أَعْجَبُ إِلَيْكُمْ إِيمَانًا؟» قالوا: الملائكة. قال: «وَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟»

قالوا: فالأنبياء. قال: «وَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَالوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ؟» . قالوا: فنحن؟ قال: «وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ وَلَكِنْ أَعْجَبُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا قَوْمٌ يَجِيئُونَ بَعْدَكُمْ يَجِدُونَ صُحُفًا يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهَا» . رواه البزار و ضعفه الألباني.

قوله: {وَالرَّسُولُيَدْعُوكُمْلِتُؤْمِنُوابِرَبِّكُمْوَقَدْأَخَذَمِيثَاقَكُمْإِنْكُنْتُمْمُؤْمِنِينَ} .

{والرَّسولُ يدعوكم لتؤمنوا} اللاَّمُ لامُ «كَيْ» ؛ أَيْ: يَطْلُبُ منكم لكي ولأجل أَنْتؤمنوا بربِّكم.

وَذِكْرُ الرُّبوبيَّة في هذا المقام؛ لأنَّ الرُّبوبيَّةَ عَطَاءٌ وَإِنْعَامٌ من الرَّبِّ على المربوب، وهذا المالُ مِنْ نِعَمِ الرَّبِّ، وأنعم اللهُ به على الإنسان، والإنسانُ يُولَدُ فَقِيرًا ليس معه شَيْءٌ.

فالرَّبُّ هو المُنْعِمُ، وَمِنْ نِعَمِهِ نِعْمَةُ المال، وَنِعْمَةُ التَّوفيق للإنفاق.

قوله: {وَقَدْأَخَذَ مِيثَاقَكُمْ} .

أَخْذُ الميثاق هنا للعلماء فيه تفسيران:

-الأوَّلُ: أَخْذُ الميثاق مَخْصُوصٌ بالصَّحابة؛ أي: بَيْعَةَ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - للصَّحابة حينما بايعهم على السَّمع والطَّاعة والاتِّباع، وهذا ميثاقٌ بَيْنَكُمْ وبين الله.

-والقول الثَّاني: أنَّالمرادَ بالميثاق العَهْدُ الَّذي أَخَذَهُ اللهُ على بَنِي آَدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِأبيهم آدم؛ فهو إشهادُ العباد على أنفسهم في عالم الذَّرِّ، عندما أخرجهم اللهُ مِنْأصلابِهِم وصُوَرِهِمْ وَكَلَّمَهُمْ قَبْلُ.

وقد وَقَعَ هذا في عالم الذَّرِّ للأرواح والأبدان، وإذا تبيَّن هذا فالمواثيقُ ثلاثةٌ: الأول: الفِطْرَةُ المستقيمةُ في الإنسان، والثَّاني: الميثاقُ الَّذي أَخَذَ علينا في عَالَمِ الذَّرِّ، والميثاقُ الثَّالثُ: إِرْسَالُ الرُّسُلِ وإنزال الكتب.

ولا عِبْرَةَ بميثاق الفطرة الميثاق الأوَّل وإشهاد العباد على أنفسهم إلاَّ بالميثاق الثَّالث الَّذي هو إرسالُ الرُّسُلِ وإنزالُ الكتب، فإذا اجتمعت الثَّلاثةُ فَقَدْ قَامَتِ الحُجَّةُ عليه.

لذلك هذه المواثيقُ الثَّلاثةُ هي شَيْءٌ وَاحِدٌ؛ فكلُّ المقصود منها هو أَخْذُ العهد على العباد، وإقامةُ الحُجَجِ عليهم بأن يعبدوا اللهَ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له.

وَلَكِنِ الأَقْرَبُ - واللهُأعلم بِمُرَادِهِ مِنْ كلامه- أنَّالمرادَ بالعهد والميثاق هنا هو العهد الَّذي عاهده الصَّحابةُ مع الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا يمنع أن يجتمع العهدان العهد السَّابق والعهد اللاَّحق.

قوله: {هُوَالَّذِييُنَزِّلُعَلَاعَبْدِهِآَيَاتٍبَيِّنَاتٍ} .

بيَّن سَبَبًاآَخَرَ من لُطْفِ الله بعباده، وعنايته بهم، غير إرسال الرَّسول، وهذا يُوجِبُ عليهم الإيمان بنزول القرآن والسُّنَّة، وفيهما البيانُ الوَاضِحُ الشَّافي.

وما جاء مُجْمَلًا في القرآن فَسَّرَتْهُ السُّنَّةُ النَّبويَّةُ؛ فكلاهما وَحْيٌ مَعْصُومٌ؛ فاللهُأَرْسَلَ الرَّسولَ وَأَنْزَلَ القُرْآَنَوأيَّده بمعجزاتٍ تدلُّ على صِدْقِهِ.

قوله: {لِيُخْرِجَكُمْمِنَالظُّلُمَاتِإِلَاالنُّورِ} .

هذه هي الحِكْمَةُ مِنْإنزال الآيات البيِّنات ليخرجَ بها من ظلمات الكفر والشِّرك والجهل إلى نور الإيمان والتَّوحيد والعلم. وهذا مِنْ رَحْمَةِ الله وَلُطْفِهِ بِعِبَادِهِ.

قوله: {وَإِنَّاللَّهَبِكُمْلَرَءُوفٌرَحِيمٌ} أي: في إنزاله الكُتُبَ وإرساله الرُّسُلَ لهداية النَّاس، وإزاحة العِلَلِ، وإزالة الشُّبَهِ.

وكلُّه رَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ بعباده وَلُطْفٌ منه بهم؛ فهو -سبحانه -أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ من الوالدة الشَّفيقة بولدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت