فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 581

-مَلْحَظٌ مُهِمٌّ:

هذه الآياتُ المُخَاطَبُ فيها الصَّحَابَةُ وَأَهْلُ الإيمان؛ فاللهُ يَدْعُو النَّاسَ إلى الإيمان الكامل؛ لأنَّ الإيمانَ يَزِيدُ بالطَّاعة، وَيَنْقُصُ بالمعصية.

وإذا اكْتَمَلَ الإيمانُ في القلب، انْقَادَتِ الجَوَارِحُ؛ فَعَلامَةُ الإيمانِ الكَامِلِ امْتِثَالُ الأَمْرِ، والإنفاقُ في سبيل الله، والمؤمنُ الحقُّ هو مَنْ حَقَّقَ الإيمانَ الكَامِلَ.

وإذا ضَعُفَ الإيمانُ في القلب تجرَّأ العَبْدُ على حُدُودِ الله، وتمرَّد على أوامره، وَمِنْ ثَمَّ عَلامَةُ الإيمان امتثالُ الأوامر والإنفاق في سبيل الله؛ لأنَّ المَالَ مَحْبُوبٌ إلى النُّفوس.

يقول اللهُ: {وتُحِبُّونَ المَالَ حُبًّا جَمًّا} ؛ فإذا ضَعُفَ الإيمانُ شُحَّ بالمال، فلم يُتَصَدَّقْ وَلَمْ يُنْفَقْ، وإذا تُصُدِّقَ بالمال فالصَّدقةُ برهانٌ وَدَلِيلٌ على إيمان صاحبه.

و هذا عُمَرُ بنِ الخطَّاب - رضي الله عنه - يقول: أمَرَنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن نتصدَّق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلتُ: اليومَ أسبقُ أبا بكرإن سبقتُه يومًا.

قال: فجئتُ بِنِصْفِ مَالِي، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟» ، قُلْتُ: مِثْلَهُ.

وأتى أبو بكر بكلِّ ما عِنْدَهُ، فقال: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟» ، قال: أبقيتُ لهم اللهَ ورسولَه، قلتُ: واللهِ لا أَسْبِقُهُ إلى شَيْءٍ أَبَدًا. رواه التِّرمذيُّ وأبو داودٍ، وحسَّنه الألبانيُّ.

فتصدُّقُأبي بكرٍ بكلِّ ماله أي: من الدَّراهم والدَّنانير.

وَمِنْ ثَمَّ إذا اكْتَمَلَ الإيمانُ، انْقَادَتِ الجَوَارِحُ لطاعة الله؛ فلو كان يَسْمَعُ المَوَاعِظَ كلَّ يَوْمٍ ثمَّ لا تجد الامتثالَ عنده معناه أنَّه لم يتحقَّق الإيمانُ عنده.

فيه تأكيدٌأنَّه لمَّا أَمَرَهُمْ أوَّلًا بالإيمان والإنفاق، ثمَّ حثَّهم على الإيمان، وبيَّن أنَّه قد أزال عنهم موانعَه، أنَّ كلَّه مِنْآَثَارِ رحمته ولُطْفِهِ بعباده؛ فاللهُ ليس في حَاجَةٍ حينما دعاهم للإيمان وإلى الإنفاق، بل دعاهم إلى ذلك لأنَّه بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، ثمَّ حثَّهم أيضًا على الإنفاق.

قوله: {وَمَالَكُمْأَلَّاتُنْفِقُوافِيسَبِيلِاللَّهِ} .

الاستفهامُ هنا للتَّعجُّب من حال من يُمْسِكُ عن الإنفاق في سبيل الله وإعلاء كلمة الله.

أي: ما الَّذي يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله وقد أمركم بذلك؟

فمن توكَّل على الله أَنْفَقَ، ولم يَخْشَ مِنْ ذِي العَرْشِ إِقْلالًا.

قوله: {وَلِلَّهِمِيرَاثُالسَّمَوَاتِوَالْأَرْضِ} .

هذا المالُ ليس لكم، وإنَّما هو لله؛ أعطاكم اللهُ ليختبرَكم، وهو الَّذي طَلَبَ منكم الإنفاقَ وأنتم ذاهبون وتاركون هذا المالَ، ويعود المالُ لله مَالِكِ المُلْكِ.

قوله: {لَايَسْتَوِيمِنْكُمْمَنْأَنْفَقَمِنْقَبْلِالْفَتْحِوَقَاتَلَأُولَئِكَأَعْظَمُدَرَجَةًمِنَالَّذِينَأَنْفَقُوامِنْبَعْدُوَقَاتَلُوا} .

اختلف أهلُ العلم في المراد بالفتح هل المرادُ به فتحُ مكَّة أو صلحُ الحُدَيْبِيَةِ، والَّذي يظهرأنه فتح مكة

فالَّذين أسلموا بعد فتح مكَّة لا يستوون مع من كان قبل ذلك.

هذه الآيةُ فيها تَفْضِيلُ بَعْضِ الصَّحابة على بعضٍ.

قال الإمامُ ابْنُ حَجَرٍ: «الصَّحابيُّ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ - صلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ - مُؤْمِنًا بِهِ، وَمَاتَ على الإسلام» .

قال الإمامُ النَّوَوِيُّ رحمه الله: «وَفَضِيلَةُ الصُّحْبَةِ ولو لَحْظَةً لا يوازيها عَمَلٌ، ولا تُنَالُ دَرَجَتُهَا بِشَيْءٍ» .

فالصَّحابةُ - رضوانُ الله عليهم - لَهُمْ فَضْلٌ، ولهم سَابِقَةُ الصُّحْبَةِ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما قاموا به من الإيمان والتَّصديق والجهاد والنُّصْرَةِ، فَمَنْأَنْفَقَ قبل الفتح حَالَ الفَقْرِ وَحَالَ الضَّعف الشَّديد وحالَ الحِصَارِ لا شَكَّأنَّهُ أَعْظَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت