فهرس الكتاب
فأفضلُ الصَّحابة من حيث الجنس هم المهاجرون؛ لأنَّهم أخصُّ بالسَّبق والنُّصْرَةِ؛ فهم أوَّلُ مَنْآمن في مكَّة، وكانوا في حَالَةِ فقرٍ وضعفٍ شديدٍ، وَحَالِ حِصَارٍ، ثمَّ الأنصارُ بَعْدَ ذلك.
ثمَّ أَهْلُ بَدْرٍ أَفْضَلُ ممَّن لم يَشْهَدْ بَدْرًا، ومن أسلم وآمن وجاهد وأنفق قبل الفتح أَفْضَلُ ممَّن آمن وأنفق مِنْ بَعْدُ، وَمَنْأَسْلَمَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِمَّنْأَسْلَمَ بعد فتحها؛ فأفضلُ القرون الصَّحابة، وهم يتفاضلون؛ بعضُهم أفضلُ من بعضٍ.
وفيها رَدٌّ على الرَّافضة وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ في القَدْحِ في الصَّحابة؛ إمَّا بِقَدْحٍ كُفْرِيٌّ أو بِقَدْحٍ في إيمانهم من جهة النِّفاق؛ «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّأَحَدَكُمْأَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّأَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ» . رواه مسلم
وفي رِوَايَةٍ: «لَوْأَنْفَقْتُمْ مِثْلَ أُحُدٍ أَوْ مِثْلَ الجِبَالِ ذَهَبًا، مَا بَلَغْتُمْأَعْمَالَهُمْ» . الهيثمي في الزوائد و السيوطي في الجامع الصغير و صححه الألباني على شرط البخاري.
وكلُّ من عاداهم وضادَّهم من الفِرَقِ الضَّالَّة فهو في الحقيقة رادٌّ لفضل الله عليهم، وهو في الحقيقة يدخل في أعظم أنواع الحَسَدِ الَّذي يأكل الحسنات.
فأعظمُ الحَسَدِ حَسَدُ السَّابقين الأوَّلين، وكذلك من فيه شَائِبَةُ نِفَاقٍ يطعنون في قبيلة قريشٍ، أو في الصَّحابة، أو في تصرُّفاتهم من باب العصبيَّة، أو نحوها.
لَكِنْ أَهْلُ الإيمان يعلمون أنَّتفضيلَهم حصل بسبب قيامهم لله وَحْدَهُ، وقبيلة قريش قدمت لهذا الدين ما لم تقدمه قبيلة، وأنَّ الصَّحَابَةَ لم يغتصبوا أمرًا، وَيَجِبُ الذَّبُّ عنهم؛ فهم حَمَلَةُ الشَّريعة، ومن طَعَنَ فيهم فغرضهإسقاط الحامل حتَّى يسقط المحمول.
وفيه أنَّالسَّابقةَ في التَّصديق والإيمان والنُّصرة والإنفاق والمسارعة في القيام بحقوق الله والجهاد، و أنَّللمتقدِّم ما ليس للمتأخِّر؛ فالسَّبْقَةُ لها ما ليس لغيرها.
قوله: {وَكُلًّاوَعَدَاللَّهُالْحُسْنَى} .
الحسنى في القرآنهي العاقبة الحَسَنَةُ، وأَعْظَمُهَا وأرفعُها الجنَّةُ؛ ففسِّرت بالعاقبة الحسنة في الدُّنيا والآخرة، وفسِّرت الحسنى بالجنَّة؛ {لِلَّذِينَأَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَة} ؛ أي الجنَّة والزِّيادة.
كما رُوي في الحديث: «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللهِ الكَرِيمِ» رواه ابن عدي في الكامل ة الدار قطني في رؤية الله (ضعيف) نسأل الله لذَّة النَّظر إلى وجهه الكريم.
المنفقون قبل الفتح وبعده، كلُّهم لهم ثوابٌ على ما عملوا، وهذا الإنفاقُ وهذه الأعمالُ الصَّالحةُ تحتاج إلى نِيَّةٍ صالحةٍ، ولا شكَّ عند أهل الإيمان أنَّالصِّدِّيقَ أبا بكرٍ - رضي الله عنه - له الحظُّ الأوفرُ من هذه الآية؛ فإنَّه أنفق ماله كلَّه ابتغاءَ وَجْهِ الله - عزَّ وجلَّ - ولم يكن لأحدٍ عنده نِعْمَةٌ يَجْزِيهِ بها.
ومن تأمَّل حقيقةَ الإيمان، وحقيقةَ الإسلام، وحقيقة السَّابقة، وحقيقة توفيق العبد للعمل، وأنَّ الإنفاقَ والأعمالَ الصَّالحةَ تحتاج إلى نيَّةٍ صالحةٍ؛ يَلْحَظُ تَوْفِيقَ الله وَمِنَّتَهُ.
والمِنَّةُ هي العطاء بلا سَبَبٍ ولا مقابلٍ، بل مَحْضُ تَفَضُّلٍ؛ فقد اختار اللهُ الصَّحَابَةَ لصُحْبَةِ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -؛آمنوا به وصدَّقوه ونصروه وآمنوا بالنُّور الَّذي أُنْزِلَ معه.
قوله: {وَاللَّهُبِمَاتَعْمَلُونَخَبِيرٌ} .
هذه الآَيَةُ فيها تخويفٌ للعباد في كلِّ أَمْرٍ يعملونه؛ لخبرته -سبحانه - بالعباد ممَّن يريد اللهَ وممَّن يقصد غيرَ الله.
رواه أحمد و النسائي و ابن خزيمة و صححه الألباني.
قوله: {مَنْذَاالَّذِييُقْرِضُاللَّهَقَرْضًاحَسَنًافَيُضَاعِفَهُلَهُوَلَهُأَجْرٌكَرِيمٌ} .