فهرس الكتاب
صَدَّرَ اللهُ الآيةَ بالاستفهام المتضمِّن لمعنى الطَّلب. والمعنى: هل أَحَدٌ يَبْذُلُ هذا القَرْضَ الحسن فَيُجَازَى عليه أضعافًا كثيرةً؟
فالإنفاقُ قَرْضٌ، والمقترضُ الله، وليس قَرْضَ حَاجَةٍ، لكنَّه قَرْضُإحسانٍ إلى المقرض، وسمَّاه قرضًا؛ ليعرف مقدارَ الرِّبح؛ فاللهُأعطاه المال، وطلب منه الإنفاق؛ ليضاعَف له الأجرُ.
فسمَّى اللهُ تقديمَ العبد بعضَ ما عنده قرضًا، وأنزل الإنفاقَ في سبيله بمنزلة من أَقْرَضَ الغنيَّ الحميدَ سبحانه.
لما نزلت هذه الآيةُ قال أبو الدَّحداح: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يا رسولَ الله، إنَّالله يستقرضنا وهو غنيٌّ عنَّا؟ قال: «نَعَمْ» . قال: فإنِّيإن أقرضتُ ربِّي قرضًا حسنًا؟ فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «نَعَمْ» .
فقال أبو الدَّحداح: يا رسولَ الله نَاوِلْنِي يدك. فناوله النَّبيُّ الكريمُ يَدَهُ، فتبرَّع بحائطٍ له فيه سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ وأمُّ الدَّحداح فيه وعيالها.
قال: فجاء أبو الدَّحْدَاحِ فناداها: يا أمَّ الدَّحداح، قالت: لبَّيك. فقال: اخرجي، فقد أقرضتُه ربِّي - عزَّ وجلَّ - وفي روايةٍ أنَّها قالت له: رَبِحَ بَيْعُكَ يا أبا الدَّحداح. وَنَقَلَتْ منه مَتَاعَهَا وصِبْيَانَهَا.
وإنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ رَدَّاحٍ فِي الجَنَّةِ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ» . رواه أحمد و الهيثمي في الزوائد و ابن حبان باختلاف يسير.
وفي لفظٍ: «رُبَّ نَخْلَةٍ مُدْلَاةٍ عُرُوقُهَا دُرٌّ وَيَاقُوتٌ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الجَنَّةِ» .لمَّا نزلت {مَنْذَاالَّذِييُقْرِضُاللَّهَقَرْضًاحَسَنًا} .
فلَو عَلِمَ المُتَصَدِّقُ أنَّصَدَقَتَهُ تقع فِي يد الله قَبْلَ يَدِ الفقير، لكانت لذَّةُ المعطي أكثرَ من لذَّةِ الآَخِذِ.
أرخِ يَدَكَ بالصَّدقة تُرْخَ حبالُ المصائب من علي عاتقك .. واعلم أنَّحاجتَك إلي الصَّدقة أشدُّ من حاجة مَنْ تتصدَّق عليه.
قوله: {قَرْضًا حَسَنًا} .
والقرضُ الحسنُ ما اجتمع فيه الحلالُ، ويكون طَيِّبًا غَيْرَ رَدِيءٍ؛ فالأوَّلُ يتعلَّق بالمال، والثَّاني الإخلاص بينه وبين الله، والثَّالثُ بينه وبين الآخذ عَدَمُ المِنَّةِ والأذى وبطيب نَفْسٍ.
قوله: {فَيُضَاعِفَهُلَهُوَلَهُأَجْرٌكَرِيمٌ} .
جاء رجلٌ بناقةٍ مخطومةٍ فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ سَبْعُمِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ» . رواه مُسْلِمٌ عن أبي مسعودٍ البَدْرِيِّ.
التَّفاوتُ في التَّضعيف يختلف باختلاف أحوال المُنْفِقِ من حيث الصِّدق والنِّيَّة، وبحسب الإيمان والتَّصديق وموقع الصَّدقة ونفعها وشدَّة الحاجة إليها.
المضاعِفُ - سبحانه - وَاسِعُ العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل، ومع سعة عطائه فلا تحصل المضاعفةُ لكلِّ مُنْفِقٍ، بل هو أعلم بمن يستحقُّ المُضَاعَفَةُ؛ فهو- سبحانه - وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
وقول الله: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} الآية؛ فَعِنْدَنَا أَرْبَعَةٌ؛ مُنْفِقٌ، ونفقةٌ، وباذرٌ، وبذرٌ.
فَمَثَلُ المنفق كباذر حَبِّهِ؛ فَجَمْعُ السُّنْبُلَةِ سَنَابِلُ؛ لأنَّه جَمْعُ تَكْثِيرٍ.
وفي قوله: {وسبع سنابل} جَمْعُ قِلَّةٍ. وهذا المَثَلُ كأنَّك تشاهد التَّضعيف بالبصيرة، كما تنظر بعينك، الأمر الَّذي يجعل إيمانَ المنفق يَقْوَى، وتسخو نفسُه بالإنفاق.
قوله: {وَلَهُأَجْرٌ كَرِيم} .
أَخْبَرَ عمَّا يُعْطِيهِ من زيادةٍ فَوْقَ المضاعفة؛ أنَّله أجرًا كَرِيمًا.
قوله: {يَوْمَتَرَاالْمُؤْمِنِينَوَالْمُؤْمِنَاتِيَسْعَانُورُهُمْبَيْنَأَيْدِيهِمْوَبِأَيْمَانِهِمْ} .