فهرس الكتاب
هذه بِشَارَةٌ لأَهْلِ الإيمان بأنَّ اللهَ يُكْرِمُهُمْ يَوْمَ القيامة بأنواع الإكرام؛ حيث يعطيهم نورًا يسعى بين أيديهم، ويعطيهم الكتابَ بأيمانهم، وتبشِّرهم الملائكةُ بسرعة العبور على الصِّراط، ودخول الجنَّة.
لمَّا أَمَرَ اللهُ المؤمنين بالإيمان والإنفاق في سبيله بَيَّنَ هنا جزاءَ المؤمنين المتصدِّقين في الآخرة، فأخبر - سبحانه - أنَّهم يومَ القيامة يُعْطَوْنَ نُورًا تامًّا؛ لأنَّ النَّاسَ يَوْمَ القيامة يكونون في ظُلْمَةٍ حينما تنطفئ الأنوارُ.
ويتميَّز المؤمنون بأن يُعْطَوْا نورًا حِسِّيًّا حقيقيًّا يستضيئون به؛ فمنهم من يُعْطَى نورًا قويًّا كالشَّمس، ومنهم أقلُّ، ومنهم من يكون نورُه في إبهامه، ومنهم من يكون نورُه في قَدَمِهِ.
فاللهُ يُخْبِرُنَا عن أمرٍ يكون يومَ القيامة على الأرض المُبْدلَةِ أَرْضِ المحشر، حينما يُؤْتَى بجهنَّم لها سبعون أَلْفَ زِمَامٍ، وَيُنْصَبُ الصِّراطُ على مَتْنِ جهنَّم، فيتميَّز النَّاسُ، وتُلْقَى الظُّلْمَةُ على الجسر.
ينادي المنادي: «كلُأمَّةٍ تَتْبَعُ الإلهَ الَّذي تَعْبُدُهُ» . فتبرز الآلهةُ، حتَّاإنَّفِرْعَوْنَ الَّذي قال {أنا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة.
وعند البخاريِّ من رواية أبي سعيدٍ الخدريِّ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِيَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فلا يبقى أَحَدٌ كان يعبد غَيْرَ الله من الأصنام والأنصاب إلاَّ يتساقطون في النَّار، حتَّى إذا لم يَبْقَ إلاَّ من كان يعبد الله من بَرٍّ وفاجرٍ وَغَبَرِ أهل الكتاب.
فَيُدْعَى اليهودُ فيقالُ لهم: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كنَّا نعبد عُزَيْرًاابْنَ اللهِ. فيقالُ: كَذَبْتُمْ، ما اتَّخذ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ ولا وَلَدًا، فماذا تبغون؟ قالوا: عَطِشْنَا يا رَبَّنَا فاسقنا.
فيُشَارُ إليهم أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إلى النَّار كأنَّها سَرَابٌ يُحَطِّمُ بعضُها بعضًا، فيتساقطون في النَّار، ثمَّ يدعى النَّصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَابْنَ الله. فيقال لهم: كَذَبْتُمْ، ما اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ ولا ولدًا.
فيُقالُ لهم: ماذا تَبْغُونَ؟ فيقولون: عَطِشْنَا يا رَبَّنَا فاسْقِنَا. قال: فَيُشَارُ إليهم؛ أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إلى جهنَّم كأنَّها سَرَابٌ يُحَطِّمُ بعضُها بعضًا، فيتساقطون في النَّار، حتَّى إذا لم يَبْقَ إلاَّ من كان يعبد اللهَ مِنْ بَرٍّ وفاجرٍ أتاهم ربُّ العالمين - سبحانه وتعالى - في أَدْنَى صورةٍ من الَّتي رَأَوْهُ فيها.
قال: فما تنتظرون؟ تتبع كلُّ أُمَّةٍ ما كانت تعبد. قالوا: يا ربَّنا فارقنا النَّاسَ في الدُّنيا أَفْقَرَ ما كنَّا إليهم، ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربُّكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئًا. مرَّتين أو ثلاثًا، حتَّى إنَّ بعضَهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه آَيَةٌ فتعرفونه بها. فيقولون: نَعَمْ.
فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلا يَبْقَى مَنْ كان يسجد لله مِنْ تلقاء نَفْسِهِ إِلاَّ أَذِنَ اللهُ له بالسُّجود، ولا يَبْقَى مَنْ كان يسجد اتِّقاءً وَرِيَاءً إلاَّ جَعَلَ اللهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً، كلَّما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه.
ثمَّ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهم وقد تحوَّل في صورته الَّتي رَأَوْهُ فيها أوَّلَ مَرَّةٍ، فقال: أَنَا رَبُّكُمْ. فيقولون: أَنْتَ رَبُّنَا. ثُمَّ يُضْرَبُ الجسرُ على جهنَّم».
فَيَتْبَعُ العابدون آلهتَهم؛ فَمِنْهُمْ من يتَّبع الشَّمسَ والقمر والأصنام وفرعون، ويذهبون إلى النَّار، حتَّى إذا تكامل أهلُ النَّار في النَّار والكفَّارُ لا يعبرون الصِّراط لأنَّهم ما سلكوا الصِّراط، فلا يحتاجون إلى صراطٍ.
أمَّا المؤمنون فسلكوا الصِّراطَ، وهم على ثلاثة أنواعٍ؛ مؤمنٍ تقيٍّ وفاجرٍ ومنافقٍ.
وفي الحديث: «وَبَقِيَ في أرض المَحْشَرِ مَنْ كان يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» .
فيُدْعَوْنَ إلى الجسر أو الصِّراط ويُلْقَى عليه ظُلْمَةٌ حَالِكَةٌ لا يستطيع أحدٌ أن يخطو خطوةًإلاَّ بنورٍ.
فيميِّز اللهُ المنافقين، وتأتي أوَّلُ مرحلةٍ في التَّميُّز، فيقال: هل بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ربِّكم آية؟ فيقولون: نَعَمْ، السَّاقُ.
فَيَدْعُو اللهُ الخَلائِقَ للسُّجُودِ يَوْمَ القيامة، ويُحَالُ بَيْنَ أَهْلِ النِّفاق وَبَيْنَ السُّجود إذ ذاك.
ثمَّ يُضْرَبُ الجِسْرُ على جَهَنَّمَ، وتغشى النَّاسَ ظُلْمَةٌ شديدةٌ، وتأتي المرحلةُ الثَّانيةُ في التَّمْيِيزِ بَيْنَ أَهْلِ الإيمان والنِّفاق تَقَسُّمُ الأنوار.