فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 581

وهنالك تُقْسَمُ الأنوارُ كلٌّ على حَسَبِ عَمَلِهِ ونُورِهِ وإيمانِهِ، وعليها يَكُونُ المُرُورُ بِحَسَبِأنوارهم وأعمالهم؛ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ نُورُهُ كالشَّمْسِ، وَمِنْهُمْ كالقَمَرِ والجَبَلِ، وَمِنْهُمُ السِّرَاجُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورُهُ على قَدْرِإِبْهَامِ رِجْلِهِ، يُضِيءُ تَارَةً، وَيُطْفَأُ تَارَةً.

يقول ابْنُ القَيِّمِ: «وأين مَنْ نُورُه على الصِّراط كالشَّمس، ممَّن نُورُه على إِبْهَامِ قَدَمِهِ يُضِيءُ تَارَةً وَيُطْفَأُ أُخْرَى، وَهِيَ خِدْعَةٌ لهم، فإذا رأى المؤمنون أَنْوَارَ المنافقين تُضِيءُ تَارَةً وَتُطْفَأُ تَارَةً يقولون: {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} » .

-صِفَةُ الصِّراط:

الصِّرَاطُأَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، دَحْضُ مَزَلَّةٍ.

وَلِذَلِكَ وَرَدَ عند البَيْهَقِيِّ: «وَالزَّالُّونَ وَالزَّالاَّتُ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَعَلَيْهِ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السِّعْدَانِ، وَهَذِهِ الكَلَالِيبُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهَا إِلاَّ اللهُ؛ فَهِيَ عَظِيمَةٌ، الكَلُّوبُ الوَاحِدُ يَأْخُذُ مِثْلَ قَبِيلَتَيْ رَبِيعَةَ وَمُضَرٍ) مُهِمَّتُهَا خَطْفُ عُصَاةِ المُؤْمِنِينَ المُوَحِّدِينَ، وَأَصْحَابُ الكَبَائِرِ» .

وفي الحديث في «مسند أحمد» عَنْ طريق عائشة رضي الله عنها: «وَلِجَهَنَّمَ جِسْرٌ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ، عَلَيْهِ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ، يَأْخُذُونَ مَنْ شَاءَ اللَّهُ» .

ولا أَحَدَ يَعْبُرُ الصِّراطَإلاَّ بِنُورٍ، والمُرُورُ على الصِّراط بِحَسَبِ رَغْبَتِكَ في الخير، وَنَصْبُ الصِّراط مِنْأَجْلِ العبور إلى الجَنَّةِ؛ فَمَنْ سَلَكَ الصِّرَاطَ المعنويَ في الدُّنْيَا، سَلَكَ الصِّرَاطَ الحقيقيَّ إلى الجنَّة.

والمنافقُ سَلَكَ الصِّرَاطَ ظَاهِرًا، فأَعْطَاهُ نُورًا، حتَّى إذا وَصَلَ إلى الصِّراط الحقيقيِّ، سُلِبَ النُّورُ، وهناك مَنْ سَلَكَ الصِّراطَ، فَفِيهِمْ مَنْ يُحِبُّ الخَيْرَ وَيَرْغَبُ فيه، فيكون أَسْرَعَ، وهناك مَنْ يتباطأو يأتي متأخِّرًا؛ فالمرورُ بِحَسَبِ الرَّغْبَةِ في الخير.

-مَلْحَظٌ مُهِمٌّ:

إِنَّ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ في الرُّؤْيَةِ أنَّالرُّؤْيَةَ حَقٌّ لأهل الجنَّة وللمؤمنين في عرصات القيامة.

والرُّؤية الَّتي للمؤمنين هي رُؤْيَةُ سُرُورٍ وتَلَذُّذٍ وإكرامٍ.

واخْتَلَفَ أَهْلُ السُّنَّةِ في رؤية الله - عزَّ وجلَّ - في الموقف:

-هل هي للمؤمنين وحدهم؟

-أم للمؤمنين والمنافقين؟

-أم للنَّاس جميعًا؟ على ثلاثة أقوالٍ.

وكلُّ الأقوال في مذهب أهل السُّنَّة؛ يعني قال بها طائفةٌ.

وكما قال الإمامُ تَقِيُّ الدِّين ابنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله: إنَّالخِلافَ في هذه المَسْأَلَةِ -يعني هل يرى الكفَّارُ ربَّهم يوم القيامة أو لا يرونه؟ هل يراه المنافقون أو لا يرونه؟ - لا ينبغي أن تكون من المسائل الَّتي يُشَدَّدُ فيها الخلافُ؛ بل الأمرُ فيها خَفِيٌّ. هذا نَصُّ عبارته.

والمذاهبُ فيها كما ذكرتُ لكم ثلاثةٌ:

-فجمهورُ أَهْلِ السُّنَّةِ والحديث على أنَّالرُّؤْيَةَ للمؤمنين في عرصات القيامة.

-وقال طائفة (1) للمؤمنين والمنافقين، وممَّن ذهب إلى ذلك ابنُ خُزَيْمَةَ كما نصَّ عليه في كتاب التَّوحيد.

-القول الثَّالث: أنَّالرُّؤْيَةَ للجميع، للمؤمنين والمنافقين والكفَّار.

واستدلُّوا على ذلك بأنَّ الكافرَ يُحْجَبُ؛ {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] ، قالوا: فكونُه حُجِبَ يومئذٍ دلَّ على أنَّه قبل ذلك لم يكن محجوبًا؛ لأنَّ الكلامَ في الآخرة، وأمَّا في الدُّنيا فالكلُّ محجوبٌ عن رؤيةِ الرَّبِّ عزَّ وجلَّ.

وهذه الأقوالُ جَمَعَتِ النَّظر في الرُّؤْيَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت