فهرس الكتاب
ويبقى أنَّرؤيةَ الرَّبِّ - عزَّ وجلَّ - نوعان:
1 -النَّوعُ الأوَّلُ: رؤيةُ إكرامٍ ولذَّةٍ وَنَعِيمٍ وإنعامٍ وحُبُورٍ وسرورٍ؛ فهذه للمؤمنين في الجنَّة، وللمؤمنين في عَرَصَاتِ القيامة؛ فهي من الطُّمَأْنِينَةِ لهم.
2 -والنَّوعُ الثَّاني: رؤيةُ حسابٍ وتقريرٍ وتعريفٍ وابتلاءٍ وامتحانٍ؛ فهذه هي الَّتي يمكن أن يقال: إنَّها مُرَادَةٌ في حديث المنافقين فيما ثَبَتَ في الصَّحيح: «أنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ - يأتي الأمَّة وفيه منافقوها، ثمَّ يأتيهم في غير الصُّورة الَّتي رَأَوْهَا مِنْ قَبْلُ، ثمَّ يأمرهم بالسُّجود فلا يسجدون، فيقولون نحن هنا حتَّى يأتي ربُّنا، ثمَّ بعد ذلك يَكْشِفُ الرَّبُّ عن ساقٍ، فيعرفونه، فيسجد المؤمنون، ويبقى من لم يكن مخلصًا في الدُّنيا يريد أن يسجد، فيعود ظهرُه طبقًا واحدًا)
فهذا يَدُلُّ على أنَّهذه الرُّؤْيَةَ رُؤْيَةُ تَعْرِيفٍ ورؤيةُ حِسَابٍ، وهذا النَّوْعُ من الرُّؤْيَةِ لا ينبغي أن يكون الخِلافُ فيه؛ لأنَّ الحَدِيثَ دَلَّ عليه.
فإذًا الرُّؤْيَةُ الَّتي نقول: إنَّه أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ على أنَّها للمؤمنين هي رؤية التَّنَعُّمِ والتَّلَذُّذِ، وفي ضِمْنِ ذلك رُؤْيَةُ التَّعريف.
وأمَّا رؤيةُ الله - عزَّ وجلَّ - للتَّعريف والحساب فهذه كُلٌّ يراها بحسب حَالِهِ، واللهُ أَعْلَمُ بِكَيْفِيَّةِ ذلك وَتَفْسِيرِهِ.
وقال بعضُهم في قوله: «فَيَأْتِيهِم في غير الصُّورة الَّتي رَأَوْهَا مِنْ قَبْلُ» لذلك قالوا: إنَّاللهَ لا تتغيَّر صورتُه، ولكن ذلك تَغَيُّرٌ في عين الرَّائي، كما في بَدْرٍ؛ {وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} . ذَكَرَهُ عُثْمَانُ ابْنُأَبِي شَيْبَةَ.
أمَّا الكفَّار فعامَّةُ أَهْلِ العلم إلاَّ مَنْ شَذَّ وَقَلَّ يقولون: إنَّالكافرَ لا يرى اللهَ - عزَّ وجلَّ - لا رُؤْيَةَ تَعْرِيفٍ، ولا رُؤْيَةَ تَلَذُّذٍ مِنْ بَابِ أَوْلَى؛ لأنَّ الكافرَ مَحَلُّ العذاب والنَّكال.
وَيَحْسُنُ في هذا المقام ذِكْرُ نَوْعَيِ الصَّعْقِ وَوَقْتِ كلٍّ منهما، وَسَبَبِهِ، فنقول: الصَّعْقُ نَوْعَانِ:
-أحدُهما: صَعْقَةُ البَعْثِ. وَوَقْتُهُ في الدُّنيا عند فَنَائِهَا، وَسَبَبُهُ النَّفْخُ في الصُّور، وَنَوْعُهُ مَوْتٌ، والدَّليلُقَوْلُهُ تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فإذا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} .
-الثَّاني: صَعْقَةُ التَّجَلِّي، وَوَقْتُهُ في موقف القيامة، وَسَبَبُهُ تجلِّي الله للخَلائِقِ إذا جاء لِفَصْلِ القضاء، وَنَوْعُهُ غِشِيٌّ، ودليلُه ما في الصَّحيح عن النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: «إِنَّالنَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى آَخِذٌ بِقَائِمَةِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ» . متَّفقٌ عليه.
فَعُلِمَ أَنَّهَا صَعْقَةُ فَزَعٍ، لا صَعْقَةُ مَوْتٍ، وَلَيْسَتْ صَعْقَةَ البَعْثِ؛ لأنَّ صَعْقَةَ النَّفْخِ فِيهَا مَوْتٌ، وَفِيهَا بَعْثٌ، و لا يُسْتَثْنَى فيها موسى -عليه الصَّلاة والسَّلامُ - بل البَعْثُ عَامٌّ لِجَمِيعِ النَّاس.
قوله: {بُشْرَاكُمُالْيَوْمَ} .
ويبشَّرون بالخير وبالجنَّة وبالعبور قبل العبور، فيذهب عنهم الخوفُ مِنَ الصِّراطِ؛ فَلَهُمُ البُشْرَى في الحياة الدُّنيا والآخرة.
-أقسامُ النَّاس في العبور على الصِّراط:
1 -نَاجٍ مُسْلِمٍ، فلا يُصِيبُهُ لَهَبُ النَّار، ولا حَرَارَةٌ، وهم يتفاوتون في العبور، فعلى قَدْرِ أعمالهم يمرُّون؛ فمنهم من يمرُّ كَلَمْحِ البَصَرِ، ومنهم من يَمُرُّ كالبَرْقِ، ومنهم من يَمُرُّ كالرِّيح، ومنهم من يَمُرُّ كالفَرَسِ الجواد، ومنهم من يَمُرُّ كَرُكَّابِ الإبل، ومنهم من يَعْدُو عَدْوًا، ومنهم مَنْ يَمْشِي مَشْيًا، ومنهم من يَزْحَفُ زَحْفًا، ومنهم من يتعلَّق بالصِّراط، فَتَجُرُّهُ الملائكةُ على الصِّراط، ومنهم من يَسْقُطُ، ومنهم من تَخْطِفُهُ الكَلالِيبُ.