فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 581

نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - ربَّه: «اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ» . البيهقي.

وكلُّ هذه الخِصَالِ اخْتِلافُ الظَّاهر مع الباطن.

وَمَنْ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ الكَذِبُ أو إِخْلافُ الوَعْدِ والخِيَانَة، والفجورُ في الخصومة، والغدرُ، ومن كان فيه وَاحِدَةٌ منها فَفِيهِ مَرَضٌ.

وَمَنْأَصَرَّ على خِصَالِ النِّفاق فقد تَنْقُلُهُ إلى النِّفاق الاعتقاديِّ، وَقَلَّ مَنْ يَنْجُو مِنَ النِّفاق.

قوله: {إِنَّالَّذِينَيُحَادُّونَاللَّهَوَرَسُولَهُأُولَئِكَفِيالْأَذَلِّينَ} المُحَادَّةُ مُشَاقَّةٌ ومعاداة.

ذَكَرَ اللهُ سُنَّةً مِنْ سُنَنِهِ في الحَيَاةِ؛ أنَّه كَتَبَ الذِّلَّةَ والصَّغَارَ والإهانةَ لأَهْلِ البَاطِلِ، وكلِّ مَنْ يُعَادِي اللهَ وَرَسُولَهُ وإن نالوا ما نالوا من الدُّنيا.

قوله: {يحادون} المحادَّةُ هي المعاداةُ؛ فكلُّ مَنْ حَادَّ اللهَ ورسولَه فهم مَكْبُوتُونَ، والكَبْتُ الإذلالُ والخِزْيُ؛ فهم أذلَّةٌ دائمًا وأبدًا، ولا يَصِلُونَ إلى نَتِيجَةٍ.

قوله: {كَتَبَاللَّهُلَأَغْلِبَنَّأَنَاوَرُسُلِيإِنَّاللَّهَقَوِيٌّعَزِيزٌ} .

جَرَتْ سُنَّتُهُ وَقَضَى وَحَكَمَ - تعالى - أنَّالعِزَّ والنَّصْرَ والغَلَبَةَ لِرُسُلِهِ بالحُجَّةِ والقهر، حتَّى وإن أُوذِيَ في الدُّنيا أَوْ حُبِسَ أو عُذِّبَ؛ فالغَلَبَةُ له والذِّكْرُ الحَسَنُ له، والدُّعاءُ والتَّرحُّم له.

فَابْنُ تَيْمِيَّةَ مَاتَ بِالسِّجْنِ، وَلَكِنْ بَقِيَ له الدُّعَاءُ والذِّكْرُ الحَسَنُ، والذِّلَّةُ والصَّغَارُ على مَنْ خَالَفَهُمْ.

والغَلَبَةُ قد تَكُونُ بِالحُجَّةِ واللِّسانِ والبَيَانِ، أو بالسَّيف والسَّنان والتَّمكين.

وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية أنَّه لمَّا فتح اللهُ - تعالى- للمؤمنين ما فَتَحَ مِنَ الأَرْضِ، قال المؤمنون: «إنَّا لَنَرْجُو أَنْيَفْتَحَ اللهُ لنا فَارِسًا والرُّومَ» .

فقال بعضُ المنافقين: «أتظنُّون الرُّومَ وفارسًا كَبَعْضِ القرى الَّتي تغلَّبتم عليها، واللهِ إِنَّهُمْ لَأَكْثَرُ عددًا وَأَشَدُّ بَطْشًا» .

قوله: {إنَّاللهَ قَويُّ عَزِيز} .

فهو العزيزُ الَّذي لا يُغْلَبُ، والقويُّ الَّذي لا يُقْدَرُ عليه؛ فمن غالب اللهَ فهو مَغْلُوبٌ.

القوَّةُ والعزَّةُ والغَلَبَةُ على جَمِيعِ خَلْقِهِ للهِ وَحْدَهُ.

قد يكون الإنسانُ في الدُّنيا قويًّا، ولكن قد يسلِّط اللهُ عليه من يَغْلِبُهُ، لكن القَوِيُّ العزيز لا يُغْلَبُ ولا يُغَالَبُ؛ فهو ذو قوَّةٍ وقدرةٍ، وعزيزٌ لا يُغْلَبُ. ولا تكون إلا لله وحده

قوله: {لَاتَجِدُقَوْمًايُؤْمِنُونَبِاللَّهِوَالْيَوْمِالْآَخِرِيُوَادُّونَمَنْحَادَّاللَّهَوَرَسُولَهُ} .

خُتِمَتِ السُّورَةُ بعقيدة الوَلاءِ والبراء، وبهذه الآيَةِ الجَامِعَةِ لصفات المؤمنين ذُكِرَتْ مَحَبَّةُ أولياءِ اللهِ، وهي المَحَبَّةُ في اللهِ، والموالاةُ للهِ -عزَّوجلَّ -فَأَوْثَقُعُرَاالإيمان، وَأَعْظَمُ ما يَعْبُدُ به العبدُ ربَّهُ حُبُّ أهل التَّوحيدِ، وبغضُ أهل الشِّرْكِ.

أي: لا يَكُونُ إِيمانًا بالله ورسوله ومودَّةً لأعداء الله؛ فالمؤمن حقًّا المعادي لأعداء الله، والموالي لأولياء الله؛ فموالاة أعداء الله دليلٌ على فقدان الإيمان.

قوله: {مَنْ حَادَ اللهَ وَرَسُولَه} .

المحادَّةُ هي المعاداةُ والمباغَضَةُ؛ فالله في جانبٍ، وهم في جانبٍ آخر؛ أي: لا موافقةَ بينهم؛ لأنَّ المحادَّ ليس بمسالمٍ.

قوله: {وَلَوْكَانُواآَبَاءَهُمْأَوْأَبْنَاءَهُمْأَوْإِخْوَانَهُمْأَوْعَشِيرَتَهُمْ} .

حتَّى لو كان أقربَ قَرِيبٍ. كان السَّلفُ كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت