فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 581

قوله: {أُولَئِكَأَصْحَابُالنَّارِهُمْفِيهَاخَالِدُونَ} .

هذا جزاءُ كلِّ مَنْ صَدَّ عن سبيل الله بقوله وَفِعْلِهِ.

قوله: {يَوْمَيَبْعَثُهُمُاللَّهُجَمِيعًافَيَحْلِفُونَلَهُكَمَايَحْلِفُونَلَكُمْوَيَحْسَبُونَأَنَّهُمْعَلَاشَيْءٍأَلَاإِنَّهُمْهُمُالْكَاذِبُونَ} .

هنا بيَّن اللهُ أنَّأَهْلَ النِّفاق يُبْعَثُونَ على نِفَاقِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وحَشْرِهِمْ والنِّفَاقُ بَاقٍ في قلوبهم.

ليس العَجَبُ مِنْ حَلِفِهِمْ كَذِبًا في الدُّنيا؛ لأنَّهم يتعاملون مع بَشَرٍ، ولكن العَجَبُ حَلِفُهُمْ لله عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهادة.

فيوم يبعث اللهُ أَهْلَ النِّفاق من قبورهم وَيَلْقَوْنَ اللهَ لمحاسبتهم فيحلفون له.

لماذا يَحْلِفُ أَهْلُ النِّفاق؟ لأنَّ مَنْ عَاشَ على شَيْءٍ، مَاتَ عَلَيْهِ، وَبُعِثَ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ.

يُحْشَرُ المَرْءُ في ثَوْبِ عَمَلِهِ؛ إِنْخَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ؛ ففي الحديث عند مسلمٍ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» . فَيُبْعَثُ كلُّ عَبْدٍ على ثَوْبِ عَمَلِهِ؛ الزَّمَّارُ بِمِزْمَارِهِ، والشَّاربُ الخَمْرِ بِقَدَحِهِ.

فَأَهْلُ النِّفَاقِ يُبْعَثُونَعلى نِفَاقِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَيَكُونُ باقيًا في قلوبهم.

ومن هنا أَهْلُ الكُفْرِ وَأَهْلُ النِّفاق إذا حَشَرَهُمُ اللهُ يَحْلِفُونَ بالله جَهْدَأيمانهم أنَّهم لم يكونوا مشركين، ويحلف أهلُ النِّفاقِأنَّهم كانوا مؤمنين، فلا تنفعهم الأَيْمَانُ عِنْدَ اللهِ؛ لأنَّ اللهَ يَعْلَمُأعمالَهم، ويعلم ما هم عليه.

قوله: {كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُم} .

الحقائقُ تتجلَّى يَوْمَ القيامة على ما هِيَ عَلَيْهِ.

اللهُ لا يُخَادَعُ ولا يُرَوَّجُ عليه الكَذِبُ؛ فلا تنفعهم أيمانُهم؛ لأنَّهم إذا حَلَفُوا في الدُّنيا كَذِبًا، تَنْتَهِي المُطَالَبَةُ، ولكن تَبْقَى المُحَاسَبَةُ، وَيُلْزَمُ بالأداء يوم القيامة.

قوله: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمْ الكَاذِبُون} .

أي: الَّذين بَلَغُوا في الكذب مَبْلَغًا لم يَبْلُغْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ.

قوله: {اسْتَحْوَذَعَلَيْهِمُالشَّيْطَانُ} .

بيَّن اللهُ السَّبَبَ الَّذي حَمَلَهُمْ على هذا الكَذِبِ والنِّفاق، والأيمانُ الفاجرةُ والكذبُ والفسادُ مَلَكَةٌ لهم بسببتسلُّط الشَّيطان عليهم؛ حيث استولى عليهم، فصاروا مِنْ جُنُودِهِ.

قوله: {فَأَنْسَاهُمْذِكْرَاللَّهِ} .

ذِكْرُ اللهِ يَعْصِمُ من الشَّيطان؛ فإذا ذَكَرَ المُسْلِمُ ربَّه، انْطَرَدَ عَنْهُ، وهؤلاء المنافقون لا يَذْكُرُونَ اللهَ إلاَّ قليلًا.

فلمَّا غَفَلُوا عن الله وعن ذِكْرِهِ، تسلَّط عليهم الشَّيْطَانُ، فَقَلَّ الإيمانُ في قلوبهم، وَخَشْيَةُ الله؛ فلا يَمْنَعُهُمْ مِنْالكَذِبِ وَسَائِرِ المعاصي.

قوله: {أُولَئِكَحِزْبُالشَّيْطَانِأَلَاإِنَّحِزْبَالشَّيْطَانِهُمُالْخَاسِرُونَ} .

استولى عليهم حتَّى صاروا من جنوده؛ فهم طَوْعُأَمْرِهِ.

-فائدة عظيمة:

بَعْدَمَا بَيَّنَ اللهُ لَنَا في هذه الآيات السَّابقة أَحْوَالَ أَهْلِ النِّفاق، وسُوءَ مَصِيرِهِمْ، والأسبابَ الَّتي أدَّت بهم إلى الخُسْرَانِ والهَلاكِ، وَبَعْثَهُمْ والنِّفَاقُ بَاقٍ في قلوبهم، فأخطرُ مَرَضٍ هو مَرَضُ النِّفاق، وقد يمتلئ الإنسانُ منه وهو لا يشعر، وفي عَالَمِ الطِّبِّأَخْطَرُ الأَمْرَاضِ المَرَضُ الَّذي لا تَظْهَرُأَعْرَاضُهُ.

فقد يمتلئ الإنسانُ منه وهو لا يشعر، وأيضًا إنَّه قد يَخْفَى على النَّاس؛ لأنَّ اللهَأعطى الإنسانَإمكانيَّاتٍ عَظِيمَةً؛ فقد يُظْهِرُ لك مالا يُبْطِنُ، فَيُظْهِرَ لك المَوَدَّةَ وهو يَكْرَهُكَ.

وَمَنْ خَافَ مِنْهُ سَلِمَ مِنْهُ، وَقَدْ خَافَهُ الصَّحَابَةُ على أنفسهم. يقولُ ابْنُأبي مُلَيْكَةَ: «أَدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - كلُّهم يخاف على نفسه النِّفاقَ، وقد أُصِيبَ بِهِ النَّاسُ اليَوْمَ وهم لا يشعرون، ومن هنا سَأَلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت