فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 581

ولمَّا قدَّموا محبَّة الله على كلِّ شيءٍ، جعل الأنصار يؤثرونهم على أنفسهم، وَآَثَرَهُمْ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على غيرهم.

ومنها اتِّباعُ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - دَلِيلُ مَحَبَّتِهِ، والنَّاسُ يدَّعون محبَّةَ الله ورسوله ولكنَّهم يتَّبعون أهواءَهم.

كان الإمامُ أَحْمَدُ يتبع نبيَّنا - صلى الله عليه وسلم - في كلِّ شيءٍ حتَّى في أدقِّ من الشَّعرة، وكان ابنُ عمر يتَّبع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في الحجِّ حتَّى في الأماكن الَّتي جلس فيها اتفاقًا لا قصدًا.

كان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - يَجْلِسُ القرفصاء وقال عليٌّ: «كان مجلسُه مَجْلِسَ حلمٍ وَنُورٍ، لا تُنْتَهَكُ فيه الأعراضُ، ولا تُغْشَى فيه الحُرُمَاتُ» .

ومنها أن الأنصارُ يحبُّون من هاجر إليهم من المؤمنين، فهل إذا هاجر أناسٌ وفيهم خَيْرٌ وَصَلاحٌفهل أن النَّاسُ يحبُّونهم أم يوالون غيرَهم؟

فما قيمةُ الولاء والبراء إذًا؟

ومنها سلامة قلوبهم وألسنتهم من الحقد والحسد والبغضاء، ومنها محبَّة الخير للغير، وهذا حال المؤمن الصَّادق؛ ففي الحديث: «المُسْلِمُأَخُو المُسْلِمِ؛ لَا يَخُونُهُ وَلَا يَكْذِبُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» . رواه مسلم و أحمد و الترمذي.

حتَّى ضَرَبَ نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - مثلًا بليغًا للمجتمع المؤمن المتحابِّ المتناصح؛ «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَحَابِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى» . متَّفقٌ عليه.

كلُّ عُضْوٍ فيه كالمرآةِ يَقِيسُهُ على نفسه، فينفي عنه كلَّ تُهْمَةٍ، وَيُبَرِّئُهُ مِنْ كُلِّ نَقِيصَةٍ.

ومنها أنَّالصَّحَابَةَ قدَّموا مَحَبَّةَ الله على كلِّ شَيْءٍ، والسَّببُأنَّه لَمَّا تَحَقَّقَ الإِيمَانُ فِي قلوبهم، آَثَرُوا الآَخِرَةَ على الدُّنيا، وأحبُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ، وَتَوَلَّدَ من محبَّة الله ورسوله محبَّةُ ما يحبُّه اللهُ؛ فأحبُّ البِلادِ إلى الله المَسَاجِدُ، وَأَحَبَّ كلُّ وَاحدٍ منهم لأخيه ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، فَآَثَرُوا المهاجرين على أنفسهم.

ومنها الإيثارُ؛ وهو على دَرَجَتَيْنِ: الدَّرَجَةُ الأولى أن تُؤْثِرَهُ وتقدِّمَه على نفسك، والدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ أن تُعْطِيَهُ ممَّا تُحِبُّ.

فَمِنْ شِدَّةِ محبَّةِ الصَّحابة بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أن يُقَدِّمَأخاه على نَفْسِهِ بِسَبَبِ تَحَقُّقِ الإيمان.

واليَوْمَ لا يُؤْثِرُهُ، بل يَحْسُدُهُ، ويتمنَّى زَوَالَ نِعْمَتِهِ، وَيَفْرَحُ بِمُصَابِهِ، وَيَحْزَنُ لِفَرَحِهِ بسبب ضعف الإيمان، والتَّنافس على الدُّنيا.

هو يَحْسِدُ فضلًا عن أن يُؤْثِرَهُ أو يُعْطِيَهُ ممَّا يحبُّ، وكان السلف يُؤْثِرُأخاه، ولا يَجِدُ في نفسه حرجًا.

قوله: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا} .

لمَّا ذَكَرَ اللهُ ما حصل لِيَهُودِ بني النَّضير، ذَكَرَ هنا مَسْلَكَ أَهْلِ النِّفاق، وَفَضَحَهُمْ، وَبَيَّنَ مُوَالاتَهُم وَمُنَاصَرَتَهُم لليَهُودِ.

والنِّفاقُ هو إِظْهَارُ الإسلام تُقْيَةً، وإبطانُ الكُفْرِ خُفْيَةً؛ فهم في الظَّاهر مع المسلمين، وفي الباطن مع أهل الكفر، وهذا شَأْنُ المنافقين في كلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.

قوله: {أَلَمْ تَر} اسْتِفْهَامُ تَعَجُّبٍ مِنْ حَالِهِمْ.

نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ ابْنِأُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ رَأْسِ المنافقين وَرِفَاقِهِ حينما بُعِثُوا إلى يَهُودِ بَنِي النَّضير؛ أَنِاثْبُتُوا وتحصَّنُوا، أو تمنَّعوا؛ فإنَّنا لا نُسْلِمُكُمْ، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا معكم، وإن أُخْرِجْتُمْ خَرَجْنَا معكم، ولا نُطِيعُ في شَأْنِكُمْأَحَدًا أبدًا، وإن قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ على أعدائكم.

وكانوا كَذَبَةً فيما قالوا من ذلك، واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لكاذبون فيما وَعَدُوهُمْ بِهِ من الخروج والنُّصْرَةِ.

قوله: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت