فهرس الكتاب
غزوة اليرموك، فتدافعوا شَرْبَةَ الماء كلُّهم -مِن واحدٍ إلى واحدٍ - حتَّى ماتوا جميعًا، ولم يشربها أحدٌ منهم رضي اللهُ عنهم أجمعين.
هذه المواقفُ تُعَالِجُ حَالَةَ النَّاسِ اليَوْمَ الَّتي يُرْثَى لها من الحَسَدِ، وَتَمَنِّي زوال النِّعْمَةِ عن أخيه، بسبب ضَعْفِ الإيمان والتَّنافس على الدُّنيا، بل يأخذ حقَّأخيه. ولايبالي بذلك
قوله: {وَمَنْيُوقَشُحَّنَفْسِهِفَأُولَئِكَهُمُالْمُفْلِحُونَ} .
ذِكْرُ الشُّحِّ مع الإيثار؛ لأنَّ هذا مُقَابِلُ هذا؛ فالإيثارُ أن يقدِّم أخاه على نَفْسِهِ، والشُّحُّأن يَأْخُذَ حَقَّأخيه.
الشُّحُّ هو الحرص الشَّديدُ الَّذي يَحْمِلُ صَاحِبَهُ على الطَّمع؛ فَمَنْ كَفَاهُ اللهُ شُحَّ نَفْسِهِأَفْلَحَ وَرَبِحَ؛ لأنَّ الشُّحَّ مَنْعُ الخير عن الغَيْرِ؛ سَوَاءٌ وَصَلَ الخَيْرُإِلَيْهِ أَوْ لَمْ يَصِلْ؛ فَمَنْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ سَمَحَتْ نَفْسُهُ بالخير، وأحبَّ الخير للغير.
ومفهومُ الآية أنَّمَنْ لَمْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فليس من المُفْلِحِينَ، بل من الخاسرين، والشُّحُّآَفَةٌ خَطِيرَةٌ، وَمَنْ عُوفِيَ فَقَدْأَفْلَحَ.
عن أَبي الهياج الأسديِّ، قال: كنتُ أَطُوفُ بالبيت، فَرَأَيْتُ رجلًا يقول: «اللَّهُمَّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي» لا يزيد على ذلك. فقلتُ له: «أي سألتَه عن ذلك» .
فقال: «إنِّي إذا وُقِيتُ شُحَّ نَفْسِي لِمْ أَسْرِقْ، وَلَمْ أَزْنِ، وَلَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا» . وإذا الرَّجُلُ عبدُ الرَّحمن بنُ عَوْفٍ. رواه ابن جرير.
فهذان الصِّنفان الفاضلان الزَّكيَّان هما الصَّحابةُ الكرامُ والأئمَّةُ الأعلام، الَّذين حازوا من السَّوابق والفضائل والمناقب ما سبقوا به مَنْ بَعْدَهُمْ، وأدركوا به من قَبْلَهُمْ، فصاروا أَعْيَانَ المؤمنين، وسادات المسلمين، وقادات المتَّقين.
وفيها بَيَانٌ لِعَظَمَةِ العامل؛ ففي الحديث: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» . رواه البخاريُّ وَمُسْلِمٌ.
قوله: {وَالَّذِينَجَاءُوامِنْبَعْدِهِمْ} .
هنا مَدَحَ التَّابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم القيامة؛ {يَقُولُونَرَبَّنَااغْفِرْلَنَاوَلِإِخْوَانِنَاالَّذِينَسَبَقُونَابِالْإِيمَانِ} .
قال الإمامُ مَالِكٌ: إنَّه مَنْ كَانَ لَهُ في أَحَدٍ من الصَّحابة قَوْلُ سُوءٍ أو بُغْضٍ، فلا حَظَّ له في الغنيمة أدبًا له.
قوله: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا} .
نحن أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ يدعو بعضُها لبعضٍ، ويزكِّي بعضُها البعضَ، وكلُّ جِيلٍ يَشْهَدُ للجِيلِ الَّذي سَبَقَهُ بالفَضْلِ والسَّبْقِ ويدعو له بالقبول والمغفرة، وينفي عنه كلَّ تُهْمَةٍ ويبرِّئه من كلِّ نَقِيصَةٍ.
قوله: {يَقُولُونَرَبَّنَااغْفِرْلَنَاوَلِإِخْوَانِنَاالَّذِينَسَبَقُونَابِالْإِيمَانِ} .
بُغْضُ الكفَّار وَاجِبٌ، وَمَحَبَّةُ المؤمنين من علامات الإيمان. وهذا يَدُلُّ على سلامة قلوب وألسنة التَّابعين لهم بإحسانٍ، وَمِنْ مُقْتَضَى الأخوَّة الإيمانيَّة أن يدعو بعضُهم لبعضٍ؛ لأنَّنا أُمَّةٌ مَرْحُومةٌ يُزَكِّي بعضُها البعضَ، ويترحَّم بعضُها على بعضٍ، ويدعو حيُّها لِمَيِّتِهَا.
قوله: {رَبَّنَاإِنَّكَرَءُوفٌرَحِيمٌ} .
ختموا دعاءَهم باسْمَيْنِ كَرِيمَيْنِ دَالَّيْنِ على كمال رَحْمَةِ الله وشدَّة رَأْفَتِهِ وإحسانه بهم، وهكذا أيضًا يكون المؤمنون بينهم رَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ.
إنَّك يا ربُّ وَاسِعُ الرَّأْفَةِ، كَثِيرُ الرَّحمة، فَاقْبَلْ دُعَاءَنَا.
-فوائد وَعِبَرُ مِنْ ثَنَاءِ اللهِ على الصَّحابة والمهاجرين:
منها أنَّاللهَ مَيَّزَ المؤمنَ بخصائص أنَّالمهاجرَ تَرَكَ الدُّنيا وقدَّم مَحَبَّةَ الله ورسوله على كُلِّ شَيْءٍ كما في آية الامتحان في سورة التَّوبة؛ {قلإن كان آباؤكم} . وهذا عَلامَةُ المؤمن الصَّادق.