فهرس الكتاب
بَيَّنَ الحِكْمَةَ والسَّبَبَ من جعل الفَيْءِ في فقراء المهاجرين؛ أوَّلًا: بِسَبَبِأنَّهم هاجروا من بَلَدِ الكفر إلى بلد الإسلام فرارًا بدينهم وطلبًا لمرضاة الله ونصرةً لدين الله.
فهؤلاء جديرون ومستحقُّون للإعانة، وَيُعْطَوْنَ مِنَ الفَيْءِ، وهذه شَهَادَةٌ من الله لهم.
قوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} .
هنا مَدَحَالله الأنصارَ؛ الذينسكنوا المدينة دارَ الهجرة، مِنْ قَبْلِ مَجِيءِ المهاجرين.
قوله: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} .
هذه صِفَةٌ ثَانِيَةٌ؛ يرحِّبون ويفرحون بمن هاجر إليهم، ولا يتضايقون منه.
قوله: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} .
هذه صِفَةٌ ثَالِثَةٌ؛ ليس في قلوبهم حِقْدٌ ولا حَسَدٌ ولا بَغْضَاءُ على ما أُوتِيَ المهاجرون مِنَ الفَيْءِ، بل طابت أَنْفُسُهُمْ بذلك.
قوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} .
هذه صِفَةٌ رَابِعَةٌ، وهي صِفَةٌ عَظِيمَةُ الإيثار على النَّفس، والإيثارُ هو أن يقدِّم حاجةَأَخِيه على حَاجَةِ نَفْسِهِ، وهذا يدلُّ على قوَّة الإيمان، وقوَّةِ المحبَّة للمؤمنين؛ فيقدِّمون غيرَهم على أنفسهم في حظوظ الدُّنيا.
قوله: {وَلَوْكَانَبِهِمْخَصَاصَةٌ} .
أي: يقدِّمون إخوانَهم ولو كان بهم فَقْرٌ وَحَاجَةٌ مِنْ أَجْلِ تحقُّق الإيمان في قلوبهم.
قال العلماءُ: «إذا هَبَّتْ رِيحُ الإيمان جاءت بالأعاجيب في العقائد والأعمال والأخلاق، وإذا توغَّل الإيمانُ في القلوب خَرَجَ من القلوب أَدْرَانُ الجاهليَّة، فتجد الإنسانَ موطَّأَ الكَنَفِ يألف النَّاسَ ويألفونه» .
فقد وَرَدَ في سبب نزول هذه الآية أنَّ ضَيْفًا أتى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فبعث إلى نسائه؛ هل عندهنَّ مَنٌّ شيء؟ فَقُلْنَ: ما معناشَيْءٌ إلاَّ الماءُ.
فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ يَضُمُّ- أَوْ يُضَيِّفُ - هَذَا؟» فقال رجلٌ مِن الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيفَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
فقالت: ما عندنا إلاَّ قوتُ صِبْيَانِي. فقال: هيِّئي طعامَك، وأصبحي سراجَك، ونوِّمِي صبيانَك إذا أرادوا عشاءً.
فهيَّأت طعامَها، وأصبحت سراجَها، ونوَّمَتْ صبيانَها، ثمَّ قامت كأنَّها تصلح سراجَها فأطفأته، فجعلا يُرِيَانِهِ أنَّهما يأكلان، فباتا طاويين، فلمَّا أصبح، غدا إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ - أو عَجِبَ - مِنْ فِعَالِكُمَا.
فَأَنْزَلَ اللهُ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . رواه البخاريُّ.
وفي روايةٍ فقال لأبي طَلْحَةَ تلك البِشَارَةَ العَظِيمَةَ: «قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا البَارِحَةَ!).
فِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحِ: «لَقَدْ ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ مِنْ صُنْعِكُمَا الْبَارِحَةَ ... » .
ولكنَّ الآَيَةَ عَامَّةٌ؛ فَضَرَبَ الصَّحَابَةُأَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ في الإيثارِ وأجمله.
وَسَبَبُ الإيثارِ تَحَقُّقُ الإيمان في القلوب؛ فيقدِّمَ مَحَبَّةَ الله على كلِّ شَيْءٍ، وَيُحِبُّ لأخيه ما يحبُّ لِنَفْسِهِ، ويقدِّمُ على حظوظِ نَفْسِهِ.
فهل وَصَلْنَا إلى هذه الدَّرَجَةِ أن يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يحبُّ لنفسه؟
اليومَ يتحاسدون ويتباغضون على أُمُورٍ تَافِهَةٍ. وقارنوا بين واقعنا وواقع الصَّحابة كما في قصَّة أبي طَلْحَةَ، وقد وصل الحالُ بصحابة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن آثروا إخوانهم بحياتهم، كما في