فهرس الكتاب
والآية الثَّانية، نَظِيرُ الآية الَّتي في الأنفال، وهي قولُه تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ} .
وَعَلَيْهِ فهذه الآياتُ في بيان مَصَارِفِ الفَيْءِ، والفَيْءُ هو ما أَخَذَهُ المسلمون مِنْأَمْوَالِ الكفَّار بِغَيْرِ قِتَالٍ.
{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} المُرَادُ به الفَيْءُ العامُّ، وحكمه هنا عَامٌّ، وقد بَيَّنَ اللهُ مَصَارِفَ الفَيْءِ العامِّ، فجعلها خَمْسَةَأَسْهُمٍ.
السَّهْمُ الأوَّل: {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} يُصْرَفُ في مصالح المسلمين.
السَّهْمُ الثَّاني: {وَلِذِي الْقُرْبَى} وهم بنو هاشم وبنو المطَّلب؛ لأنَّهم ما فارقوا بني هاشم في جاهليَّة ولا إسلامٍ حتَّى في حِصَارِ الشِّعب.
السَّهمُ الثَّالثُ: {وَالْيَتَامَى} جَمْعُ «يَتِيمٍ» وهو مَنْ فَقَدَأباه دُونَ البُلُوغِ؛ لأنَّه فَقَدَ النَّصِيرَ والمُعِينَ، واليتيمُ بحاجةٍ إلى من يحفظه في ماله ونفسه؛ فاليَتِيمُ إذا لم يكن له مالٌ يُعْطَى مِنَ الفَيْءِ.
السَّهْمُ الرَّابعُ: {وَالْمَسَاكِينِ} وهم فقراء المسلمين.
السَّهم الخامس: {وَابْنِ السَّبِيلِ} وهو المسافرُ المنقطعُ؛ سواءٌ نَفِدَتْ نَفَقَتُهُ أو سُرِقَتْ أَوْ لَمْ يَبْقَ معه شَيْءٌ؛ يُعْطَى من الفَيْءِ أو الزَّكاة.
هذه مصارفُ الفَيْءِ العامِّ؛ بَيَّنَهَا اللهُ وَحَصَرَهَا في هذه المَصَارِفِ.
قوله: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ} .
بيَّن اللهُ هنا السَّبَبَ في بيان مصارف الفَيْءِ؛ لئلا يَكُونَ تداولُ الأَمْوَالِ مَحْصُورًا بين الأغنياء فقط، ولا يصيب الفقراء منه شَيْءٌ، فيغلب الأغنياء الفقراء.
بعدما بيَّن الله حقائق الكفَّار وعدم خوفهم من الله واستجابتهم، أكَّد بعدها على طاعةِ الله ورسوله.
قوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} .
أي: ما أعطاكم الرَّسولُ مِنْ مَالٍ فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا.
وهذه الآَيَةُ تَشْمَلُأُصُولَ الدِّينِ وَفُرُوعَهُ وَظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ.
وما جاء به رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَاجِبٌ الأَخْذُ به، ولا تَحِلُّ مُخَالَفَتُهُ.
قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} .
أي: اتَّقوا اللهَ بِفِعْلِأَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، والتَّقْوَى أَسَاسُ كُلِّ خَيْرٍ.
وإذا لم تتَّقوه: قوله: {إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .
فَمَنْ عصى اللهَ وَخَالَفَأَمْرَهُ وعصى اللهَ ورسولَه، فإنَّه شَدِيدُ العِقَابِ.
وهناك دُرُوسٌ وَعِبَرٌ مِنْ قِصَّةِ بَنِي النَّضِيرِ منها: شِدَّةُ عَدَاوَةِ اليهود للإسلام والمسلمين بسبب حسدهم وبُغْضِهِمْ وكراهِيَتِهِمْ للحَقِّ.
ومنها: أنَّهم لم يكونوا أَصْحَابَ حَرْبٍ وَضَرْبٍ، بل كانوا أَصْحَابَ دَسٍّ وَمُؤَامَرَةٍ، فكانوا يُجَاهِرُونَ بالحقد والعداوة.
ومنها: أنَّه رَغْمَ المهادَنَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَبِيِّنَا محمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يَسْلَمِ النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وصحابتُه مِنْ أَذَاهُمْ وَحِقْدِهِمْ.
ومنها: معرفةُ طَبِيعَتِهِمُ السَّيِّئَةِ؛ الحِقْدِ والحَسَدِ وَالغَدْرِ مهما أَحْسَنْتَ إليهم؛ فلا يكفُّ شَرَّهُمْ سِوَى الطَّرْدِ والإبعاد؛ لِمَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ الكراهية للحقِّ.
ومنها: أنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - عَقَدَ مع كلِّ طائفةٍ منهم عقدًا مستقلًا؛ لِعِلْمِهِ بأنَّهم سينقضون العهدَ، فيتصدَّى لكلِّ طَائِفَةٍ وَحْدَهَا.
قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} .