فهرس الكتاب
قوله: {وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} .
الجلاءُ هو الخروجُ بِدُونِ قِتَالٍ؛ أي: ولولا أَنْقَضَى اللَّهُ عليهم وقدَّر بالخُرُوجِ والجَلاءِ مِنَ المَدِينَةِ، لَعَذَّبَهُمْ في الدُّنْيَا؛ أي: أَهْلَكَهُمُ اللهُ في مكانهم عن آخرهم، كَمَا فَعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَة، وكما فَعَلَ بِالمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ.
ولكنَّ اللهَ قَضَى وَقَدَّرَ وَحَكَمَ عليهم بالجلاء، وهو شَدِيدٌ عليهم؛ لأنَّ فيه مُفَارَقَةَ الأَوْطَانِ والأَمْوَالِ.
قوله: {وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} .
أي: وَلَهُمْ في يوم القيامة عَذَابٌ شَدِيدٌ في نَارِ جَهَنَّمَ.
فيها دَرْسٌ وهو أنَّأُمَّةَ الكُفْرِ لا تجتمع على قتال المسلمين إلاَّ إذا تَخَلَّى اهل الاسلام عن دِينِهِمْ، ولو تمسَّكوا بدينهم، لَقَذَفَ اللهُ في قلوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَيَخْذُلُ بَعْضُهُمْ بعضًا.
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} .
سَبَبُإجلائهمأنَّهمعَادَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وكذَّبوا بما أنزل اللَّهُ وعادَوْهُمَا وحارَبُوهُمَا، وَسَعُوا في معصيتهما.
قوله: {وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .
وهذه عادته- سبحانه - وسُنَّتُهُ فِيمَنْ عاداه؛ فإنَّ اللهَ شَدِيدُ العقاب.
ففيها وَعِيدٌ لِكُلِّ مَنْ عادى اللهَ وَرَسُولَهُ؛ يَأْخُذُهُ اللهُ بالعَذَابِ العَاجِلِ والآَجِلِ.
قوله: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} .
اللِّينَةُ: هِيَ النَّخْلَةُ أو نَوْعٌ مِنَ النَّخْلِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أنَّبَعْضَ الصَّحابة شَرَعَ في قطع نَخِيلِهِمْ وإحراقِهَا، وتوقَّف البعضُ منهم وقال اليهود من بني النَّضير: إنَّمحمَّدًا يَنْهَى عن الفساد، وها هو ذا يفسد.
فبيَّن اللهُ أنَّالَّذين قطعوا النَّخيل بإذن الله؛ أي: بِشَرْعِهِ ما دام فيه نِكَايَةٌ بالعَدُوِّ، فأقرَّهم اللهُ على قطع النَّخيل، وعلى تركها.
قوله: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} .
أي: لِيُخْزِيَ بِقَطْعِ النَّخيل الفاسقين؛ أي: الخَارِجِينَ عن طَاعَةِ اللهِ.
قوله: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} .
أي: ما أرجعه اللهُ إلى رسوله مِنْأَمْوَالِ بَنِي النَّضير بغير قتالٍ فهو خَاصٌّ بالرَّسول يتصرَّف فيه كيف يشاء، وهذا حكمٌ خاصٌّ.
فأخذها رسولُ الله لِنَفْسِهِ، ولم يَقْسِمْهَا في المُحَاصِرِينَ لبني النَّضير، ثمَّ قَسَّمَهَا في المهاجرين؛ لأنَّهم خرجوا من مكَّة وتركوا أَمْوَالَهُمْ، فأعطاهم من أجل أن يكفُّوا انَّفسهْمَ، ولم يُعْطِ من الانصار إلاَّ ثَلاثَةً، والغنيمة ما أخذه المسلمون من الكفَّار بالقتال، وأمَّا الفيءُ فهو ما أخذه المسلمون من الكفَّار بغير قتالٍ.
{مِنْهُمْ} أي: من بَنِي النَّضِيرِ.
قوله: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} .
أي: ما رَجَعَ على رسوله محمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وصيَّرهُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الكفَّار بني النَّضير من غير ضَرْبٍ ولا حربٍ فهو للرَّسول.
قوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} .
ولكن اللَّه يسلِّط بقدرته وتدبيره رُسُلَهُ على من يشاء من أعدائه، فيأخذوا أموالهم دون قتالٍ.
قوله: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} .
الآياتُ الَّتي نزلت في الفَيْءِ والغنائم ثلاثٌ: اثنتان في الحشر، والثَّالثةُ في الأنفال؛ {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ} .
فأمَّا الآيةُ الأُولَى {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} حُكْمٌ خَاصٌّ بالرَّسول يتصرَّف فيه كيف يشاء، وهذا من الفَيْءِ الخاصِّ.