فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 581

وهناك من يُفْسِدُ عَقْلَهُ بالكلِّيَّة بالمخدِّرات حتَّى يصبح كالبهيمة بلا عَقْلٍ.

ومصيبة الدُّنيا تهون؛ فإنَّ فقدانَ الولد يَهُونُ، وَفِقْدَانُ المال وَفِقْدَانُ الزَّوْجَةِ كلُّها مصائبُ دنيويَّةٌ تَهُونُ، ولكن كَسْرُ قناة الدِّين ليس له جُبْرَانٌ.

فهناك من يَجْلِبُالقنوات الفضائة والمنكرات إلى بيته فيفسد دينَه ودينَأسرته، وهذا أَعْظَمُ شَرًّا ممَّن يَذْهَبُ عَقْلُهُ ويُفْسِدُ صحَّتَه.

قوله: {وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} .

كما دمَّرها المؤمنون من الخارج.

قوله: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} .

فاعتبروا. ما قالها اللهُ إلاَّ لأَمْرٍ عَظِيمٍ؛ حتَّى يعلمَ النَّاسُ أنَّالنَّصْرَ من عند الله، ولا يتعلقوا بالأسباب.

نَعَمْ بَذْلُ الأسباب مطلوبٌ، ولكن لا يُعْتَمَدُ عليها؛ فَمَرْجِعُ الأمورِإليه، فَقَدْ أَخْرَجَ اليهودَ بدون قتالٍ مع قوَّتهم.

رجلٌ صَالِحٌ يَهَابُهُ أناسٌ كَثِيرٌ الإمامُ أَحْمَدُأُرْسِلَ لرجلٍ عليه مسٌّ فقال: قل له يقول لك أحمد اخرج. فَخَرَجَ. فقال الجنِّيُّ: ذَاكَ رَجُلٌ خَافَ اللهَ فَخَافَهُ كُلُّ شَيْءٍ.

فالعزُّ كلُّ العزِّ في طاعة الله، والذُّلُّ كلُّ الذُّلِّ في معصية الله، فاتَّعظوا أيُّها العقلاءُ بما حَدَثَ لهؤلاء، وهذه هي حالةٌ من الحالات الَّتي يُجْرِيهَا اللهُ في الكَوْنِ حَادِثَةُ بَنُو النَّضير، فَجَعَلَ اللهُ هذه الحادثةَ للاعتبار، وفي الكون حالاتٌ كَثِيرَةٌ للاعتبار.

فالله جَعَلَ هناك أسبابًا كَثِيرَةً لم تَكُنْ في حسابات النَّاس، وتكون سببًا في هلاكهم، وسببًا في نجاتهم.

فإذا أَرَادَ اللهُ شَيْئًا جعل الإنسان يهلك نفسَه بنفسه.

فهل كان اليهودُ يظنُّون أنَّهم يخرِّبون بيوتَهم بأيديهم؟ لا. أبدًا؛ كان عندهم عَدَدٌ وَعُدَّةٌ، لكنَّ اللهَ جاءهم من حيث لم يتوقَّعوا.

فهؤلاء الكفَّارُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ما زالوا ولا يزالون يرتكبون الحَمَاقَة، فتُنسَفَ جَمِيعُ خُطَطِهِمُ المَاكِرَةِ الَّتي مَكَثُوا ينفِّذونها عشرات السِّنين، ثمَّ يرتكبون حماقةً فتأتي على بنيانهم من القواعد، فيخرَّ عليهم السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِم.

في المقابل موسى - عليه السلام - وقومه وَقَفُوا أَمَامَ البحر وَتَرَاءَى الجمعان ولم يكن في حسبان موسى وقومه أنَّالبحرَ يَنْفَلِقُ.

نعم، موسى عِنْدَهُ يَقِينٌ بالفرج، لكن كيف؟ ما يدري، وفرعون ما كان في حسبانه أنَّالبَحْرَ سَيَعُودُ.

أَبْرَهَةُ الحَبَشِيّأَعَدَّ العُدَّةَ وَجَهَّزَ جَيْشًا قويًّا وصمَّم على هدم الكعبة، وما كان في حسبانه أن تأتيَ طَيْرٌ تقتله بحصاةٍ.

كفَّارُ قُرَيْشٍ لَمْ يَكُنْ في حُسْبَانِهِم حَفْرُ الخندق، وجمعوا الجموع، فلو لم يكن هناك خَنْدَقٌ، لَحَصَلَ القتالُ، فَفُوجِئُوا بالخَنْدَقِ، ولم يكن في حسبانهم.

فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ: ظنَّ اليَهُودُ أنَّالقُوَّةَ والأَمْنَ مُرْتَبِطٌ بالأسباب، فبذلوا الأسبابَ، وَبَنُوا حصونًا مَنِيعَةً، وكان السِّلاحُ بأيديهم ويصنعون السِّلاح ويمتلكون الذَّخيرة وتزوَّدوا بالطَّعام، فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَقَذَفَ في قلوبهم الرُّعْبَ، وشعروا بالخوف والرُّعب، وَمَلأَ اللهُأَجْوَافَهُمْ خَوْفًا.

فاعتبروا ياَّ مَنْ يكيد للإسلام والمسلمين، أو يتنقَّصون هذا الرَّسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، اعتبروا بمن قبلكم؛ فإنَّ دِينَ الله مَنْصُورٌ وَمَحْفُوظٌ لا يُغَيَّرُ ولا يُبَدَّلُ.

وهذا يؤكِّد لنا في كلِّ وَقْتٍ أنَّالنَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وأنَّ مَرْجِعَ الأُمُورِ إلى الله، وأنَّه لا يُعْتَمَدُ على الأسباب؛ فقد تُبْذَلُ الأَسْبَابُ وَتُسْلَكُ مَسَالِكُ وتريد تحقيق أُمُورٍا ولكن تأتي الأمورُ على غير ما لم يُحْتَسَبْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت