ولذلك وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ؛ بسبب تفرُّقهم وتنازعهم وتباغضهم.
وهؤلاء ليس لهم عُقُولٌ ولا إيمانٌ؛ فلا شَيْءَ يَجْمَعُهُمْ، وإن اجتمعوا في الظَّاهر؛ فهم متفرِّقون؛ لأنَّ لكلٍّ منهم شَزْعَةً ومنهاجًا، والمؤمنون هدفُهم واحدٌ، وشعارهم وَاحِدٌ.
ثمَّ ضَرَبَ اللهُ للكفَّارِ والمنافقين مِثَالَيْنِ: مَثَلًا بكفَّارِ قُرَيْشٍ، وَمَثَلًا بالشَّيْطَانِ.
قوله: {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا} .
أي: مَثَلُ اليَهُودِ وَهَذَا المَثَلُ الأوَّلُ كَمَثَلِ الَّذين مِنْ قَبْلِهِمْ قريبًا، وهم كفَّارُ قُرَيْشٍ الَّذين زَيَّنَ لهم الشَّيْطَانُ أعمالَهم، وتمثل لهم الشيطان في صورة سراقة بن مالك وقال: لا غَالِبَ لكم اليومَ من النَّاس، وإنِّي جَارٌ لكم. فلمَّا تَرَاءَتِ الفِئَتَانِ، نَكَصَ على عَقِبَيْهِ وقال: إِنِّي بَرِيءٌ منكم، إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ.
قوله: {ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ} .
أي: عَاقِبَةَ كُفْرِهِمْ.
قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
أي: في الدُّنيا؛ بالقتل والأسر، وفي الآخرة عَذَابُ النَّار.
قوله: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ} .
والمَثَلُ الثَّاني: مَثَلُ أَهْلِ النِّفَاقِ، وَحَالُهُمْ مِثْلُ الشَّيطان؛ يَأْتِي الإِنْسَانُ يَأْمُرُه بالكفر والمعاصي، ويزيِّن له، فإذا أَوْقَعَهُ، تَبَرَّأَ منه.
فهو في الأوَّل يَشجعه ويُرَغِّبُهُ، فإذا وَقَعَ، أَخَذَ يُحْزِنُهُ وَيُحَسِّرُهُ على ما فعل.
وكذلك المنافقون مع اليهود؛ أغروهم وخدعوهم ثمَّ تَبَرَّأُوا منهم، وَتَخَلَّوْا عنهم لمَّا جاءت الأَزْمَةُ.
أي أنَّمَثَلَ هاتين الفرقتين من المنافقين وبني النَّضير كَمَثَلِ الشَّيطان والإنسان؛ فالمنافقون مَثَلُهُمُ الشَّيطان، وَبَنُو النَّضِيرِ مَثَلُهُمُ الإنسانُ المنافق.
قوله: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا} .
فكان عاقبةُ الفريقين - فَرِيقِ المنافقين واليهود - وعاقبةُ الشَّيطان - الآمِرِ بالكُفْرِ - والإنسانِ المستجيب لوسوسة الشَّيطان- أنَّهما صائران إلى نار جهنَّم خالدان فيها على الدَّوام، وذلك الجزاءُ، وهو الخلود في النَّار، هو جزاء الكافرين جميعًا.
دُرُوسٌ وَعِبَرٌ وَفَوَائِدُ من حال المنافق الكاذب: فقد مَيَّزَ اللهُ المُنَافِقَ بخصائص، وَفَضَحَ مَسْلَكَ أَهْلِ النِّفاقِ، وَبَيَّنَ مُوَالَاتَهُمْ وَنُصْرَتَهُمْ لليهود.
ومنها، أنَّأهلَ النِّفاق يكرهون من هاجر إليهم من المؤمنين، وَمِنْ ثَمَّ قال نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم: «بُغْضُ الأَنْصَارِ نِفَاقٌ، وَحُبُّهُمْ إِيمَانٌ» .رواه أحمد و الهيثمي بلفظ مختلف و أصله في البخاري و مسلم، و لفظه"حُبُّ الأنصارِ آيةُ الإيمانِ، وبُغْضُ الأنصارِ آيةُ النفاقِ"
وَمِنْهَا: أنَّحَالَ المنافق الكاذب الكَذِبُ والخِدَاعُ؛ فقد وَعَدُوا اليَهُودَ، وكذبوا فيهم، حتَّى مع حِزْبِهِمْ وأوليائهم من الكفَّار لا يَوفُونَ بِوَعْدِهِمْ، وتراهم اليَوْمَ يعلنون: نحن معكم حتَّى إذا ما جاء الصِّدْقُ، لم يقفوا معك.
ومنها: أنقُلُوبَهُمْ شَتَّى؛ لأنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُمْ مَحَبَّةً، فَأَصْبَحَتْ قُلُوبُهم وآرَاءُهُمْ مُخْتَلِفَةً.
ومنها: أنَّبَيْنَ أَهْلِ النِّفَاقِ تَصَدُّعٌ بِسَبَبِ تَفَرُّقِهِمْ وَتَبَاغُضِهِمْ وَتَنَازُعِهِمْ؛ فهم أَعْدَاءُ متباغضون لا يَثِقُ أَحَدٌ بِأَحَدٍ، ولا يتنازل أَحَدٌ لأَحَدٍ.
بَعْضُهُمْ يتجسَّس على بَعْضٍ، وَيُلَفِّقُ عليه الأَخْبَارَ، وَيُزَوِّرُ عليه القضايا، وَيَشْمَتُ بِمُصَابِهِ، وَيَحْزَنُ لِسَعَادَتِهِ.
ومنها: كَرَاهِيَةُ الخَيْرِ للغَيْرِ، حتَّى ولو لم يَصِلْإِلَيْهِ، ومنها: أنَّ قلوبَهم مَشْحُونَةٌ بالحقد والحسد، ولا يكفُّهم إلاَّ الخوفُ من المسلمين، فإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ.