فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 581

ومنها: فِقْدَانُ الرَّحْمَةِ والعطف والمواساة بينهم؛ فلامعنى للسَّخاء والإيثار عِنْدَهُمْ؛ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وقلوبُهم شَتَّى.

لمَّا ذكر اللهُ في أوَّل السُّورة قصَّةَ يَهُودِ بَنِي النَّضير وما جرى منهم من الخيانة ومحاولة اغتيال الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وما عاقبهم اللهُ به من تَسْلِيطِ رسوله عليهم وَطَرْدِهِمْ من المدينة وإجلائهم إلى الشَّام وَسَلْبِأَمْوَالِهِمْ عُقُوبَةً لهم على خيانتهم لله ورسوله ثمَّ فضح مَسْلَكَ أَهْلِ النِّفاق وموالاتَهم لليهود ومناصرتَهم لهم وإعطاءهم الوعودَ الكاذبةَ، خَتَمَ السُّورةَ بندائه لأهل الإيمان؛ لأنَّهم أهلُ الاستجابة، وأوصاهم بالتزام التَّقوى، والاستعداد للآخرة.

قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} .

أمرهم بالتَّقوى، وهي فِعْلُ ما أَمَرَ اللهُ به واجْتِنَابُ ما نهى الله عنه، وألاَّ يكونوا مِثْلَ هؤلاء الكَفَرَةِ والمنافقين.

وأصلُ التَّقْوَى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وِقَايَةً، وأصل التَّقوى أن تتعلَّم ما يُتَّقَى ثمَّ تَتَّقِي.

فكيف تَكُونُ تُقْيَا وأنت لا تعرف ماذا تتَّقي؟ فأمرهم بالتَّقْوَى والاستعداد ليوم القيامة.

والتَّقْوَى سَبَبٌ في السَّعادة في الدُّنيا والآخرة؛ فما مِنْ خَيْرٍإلاَّ وَتَجْلِبُهُ التَّقْوَى، وما مِنْ شَرّإلاَّوتدفعه التَّقوى.

وَقَبُولُ العمل متوقِّفٌ على التَّقوى؛ إذا اتَّقيتَ اللهَ في صلاتك وفي صيامك وفي حَجِّكَ وفي سائر أعمالك، قُبِلَ مِنْكَ.

{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} أي: لا تَأْخُذْ مَا شِئْتَ وَتَتْرُكْ ما خَالَفَ هواك، لكن رُخِّصَ لك عِنْدَ عَدَمِ الاستطاعة؛ {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} .

قوله: {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ} .

أي: انْظُرُوا ماذا قَدَّمْتُمْ مِنْأَمْوَالِكُمْ وأعمالكم عند الله؟

فإذا وُجِدَتِ التَّقْوَى، وُجِدَتِ المُحَاسَبَةُ.

قال الحسنُرَحِمَهُاللهُ: «إنَّالمُؤْمِنواللهِماتراهُإلاّيَلُومُنَفْسَهُعلاكلِّحالاته» .

لا تَلْقَى المؤمنَ إِلاَّ يَلُومُ نَفْسَهُ؛ مَا أَرَدْتُ بِكَلِمَةِ كذا؟ ما أَرَدْتُ بِعَمَلِ كذا؟ يَلُومُ نَفْسَهُ وَيُحَاسِبُهَا.

ولاشَكَّأنَّه إذا حاسب نَفْسَهُ، وَجَدَ هُنَاكَ تَقْصِيرًا في كثيرٍ من الأمورِ.

مِنْ ثَمَّ كرَّر اللهُ الأَمْرَ بالتَّقْوَى؛ لأنَّه عند المحاسبة يَجِدُ خَلَلًا؛ فَأَمَرَهُ اللهُ بالتَّقْوَى؛ فإن رَأَى زَلَلًا، تَدَارَكَهُ بالإقلاع عنه، والتَّوْبَةِ النَّصُوحِ.

قوله: {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} .

الخبيرُ: هو العَالِمُ بحقائق الأمور؛ فاللهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِأعمالكم؛ لا تخفى عليه خَافِيَةٌ.

بَعْدَمَا أَمَرَهُمْ بالتَّقْوَى والاستعداد ليوم القيامة، نهاهم عن التَّشَبُّهِ بأهل الغَفْلَةِ، وهم الفاسقون الكافرون؛ لأنَّ همَّهم الدُّنيا، ولم يقدِّموا لآخرتهم.

قوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} .

النِّسْيَانُ في الأصل يأتي بمعنى التَّرْكِ، ويأتي أيضًا بمعنى الغَفْلَةِ والذُّهُولِ عمَّا كانوا يعلمونه، وهو مَعْفُوٌّ عنه، والنِّسْيَانُ الَّذي يُضَافُ إلى الله فهو بمعنى التَّرْكِ؛ {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} ؛ أي: تركهم.

أمَّا النِّسْيَانُ لله فهو بمعنى التَّرك والتَّعَمُّدِ؛ لِتَرْكِ أوامر الله، والوقوع في معاصيه، فعاقبهم اللهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِمْ؛ عرفوا الحقَّ وتركوه، فعاقبهم اللهُ بأن أنساهم مصالحَأنفسهم الدِّينيَّة والدُّنيويَّة.

نَسُوا أَوَامِرَ اللهِ؛ أي: تَرَكُوهَا، وَنَسُوا نَوَاهِيهِ بالوقوع فيها، وَنَسُوا أنَّاللهَ يراقبهم، وأنَّه مُطَّلِعٌ على كلِّ قَوْلٍ قَالُوهُ، وعلى كلِّ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وعلى كلِّ سَرِيرَةٍأَضْمَرُوهَا، وَنَسُوا وَعْدَ الله وَوَعِيدَهُ، وَنَسُوا أنّاللهَ لَعَنَآَكِلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت