الرِّبا وَشَارِبَ الخمر والزَّاني والسَّارق؛ نسوا أنَّاللهَ توعَّد من استهزأ بالدِّين وأهله، وَنَسُوا ذِكْرَ اللهِ، وَنَسُوا أنَّاللهَ وكَّل بكلِّ واحدٍ فينا ملائكةً تُحْصِي عمله وقوله، فعاقبهم اللهُ بِعُقُوبَتَيْنِ:
-الأولى: أنَّه أَنْسَاهُ نَفْسَهُ.
-والثَّانيةُ: أنَّه- سبحانه- نَسِيَهُ.
فأوَّلًاأَنْسَاهُ نَفْسَهُ؛ أي: مَصَالِحَهُم الدِّينيَّة، فتركهم في غَيِّهم يعمهون.
قال ابنُ القيِّم: «أَخْسَرُ النَّاسِ صَفْقَةً مَنِ اشْتَغَلَ بِنَفْسِهِ عن ربِّه، فَجَعَلَ يعتني بِمَطْعَمِه ومشربه ومنظره وملبسه ومركبه، وَأَهْدَرَ ما بينه وبين ربِّه، فخرج من الدُّنيا بغير زادٍ، وَقَدِمَ على الله بِغَيْرِ حُجَّةٍ» .
وأخسرُ منه صَفْقَةً: من اشتغل بعيوب النَّاس عن عيوب نفسه. يقول اللهُ: {إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} ؛ تَنْقُلُونَ الكَلِمَةَ قال فلانٌ وقال فلانٌ بِدُونِ تَثَبُّتٍ، ولا شَكَّ أَنَّنَقْلَ الشَّائعات يؤدِّي بصاحبه إلى كارثةٍ قد توجب له اللَّعْنَةَ.
وخصوصًا القَذْفَ؛ يَهْدِمُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ، أو تغلُّ عُنُقُهُ بين يدي الله؛ يَفُكُّهُ صِدْقُهُ أو يغلُّه لسانُه.
فكيف بمن يتَّهم أو يقذف عالمًا، في عقيدته شَيْءٌ، أو مَنْهَجِهِ؟ عليك نَفْسَكَ فاشتغل بعيوبها، وَدَعْ عيوبَ النَّاس للنَّاس.
ولو كان العَبْدُ صادقًا، لكانت عيوبُه تبكُّه.
فلانَةُ يا رسولَ الله تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ غَيْرَأنَّها تُؤْذِي جيرانَها بِلِسَانِهَا؟ قال: «هِيَ فِي النَّارِ» . أخرجه احمد والبزار وابن حبان
وأمَّا العقوبة الثَّانية: فَـ «نَسِيَهُمْ» ؛ تَخَلَّى اللهُ عَنْهُمْ.
فأوَّلًا: لا يوفِّقُهُمُ اللهُ لِتَوْبَةٍ، ولا تُفْتَحُ قلوبُهم لذلك، ولا يسخِّر اللهُ لهم من يذكِّرهم؛ لأنَّ مِنْ نِعَمِ الله على العبد أن يُرْسِلَ له من يُذَكِّرُهُ بالله.
وَحَجْبُ المُذَكِّرِ عَنْكَ عُقُوبَةٌ، وَمِنْ نِسْيَانِ الله للإنسان أن يُثَقِّلَ عليه الطَّاعات، وَيُيَسِّرَ له المعاصي؛ يَنْزِعُ مِنْ بَالِهِ أن يقرأالقرآن أو يَقُومَ اللَّيل أو يصاحبَ أهلَ الخير أو يَحْضِرَ مَجْلِسَ الذِّكر، ومن صُوَرِ نِسْيَانِ الله للعبد ألاَّ يُوَفِّقَهُ للنَّوافل.
فترى مَنْ حَوْلَهُ مَنْ يحفظ القرآن ومن يسوق اللهُ له بُنْيَانَ المساجد أو بِرَّ الوالدين أو قِيَامَ اللَّيل.
ذَكَرَ ابْنُ الجَوْزِيِّ أنَّرَجُلًا صَالِحًا زَارأخًا له، فلمَّا جاء قِيَامُ اللَّيل، قامت أُخْتُهُ، ولم يَقُمْ، فسأله عن سبب عدم قيامه، فقال: يا هذا ألم تَعْلَمْ أنَّالإنسانَ مُوَفَّقٌ وَمَخْذُولٌ؟ القضيَّة ليست قويًّا أو ضعيفًا؛ القضيَّةُ مُوَفَّقٌ وَمَخْذُولٌ.
ومن صُوَرِ نِسْيَانِ الله للعبد: الاعتمادُ على الحَوْلِ والقوَّة، وَمَنِ اعْتَمَدَ على حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، خُذِلَ، وَمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ وَفَّقَهُ أوَّلًا للتَّوَكُّلِ، ثمَّ وَفَّقَهُ إلى حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ، وَأَعَانَهُ على تَحْقِيقِهِ.
ومن صُوَرِ نِسْيَانِ الله للعبد: أنَّه لا يُوَفَّقُ لأَعْمَالِ القلوب؛ فلا يوفَّق لإخلاصٍ ولا يوفَّق لصدقٍ ولا يُعَانُ على زُهْدٍ ولا يوفَّق لورعٍ ولا يَعْرِفُأَسْبَابَ الهداية ولا يهتدي لأسباب الإعانة.
وَمِنْ صُوَرِ نِسْيَانِ الله للعبد: أن يُعَاقِبَهُ اللهُ، فلا يشعر بالعقوبة؛ «قال: ياربِّ! كم أعصيك، ولا تعاقبني؟ فقيل له: كم أعاقبك، وأنت لا تدري؟ أليس قد حرمتُك حلاوةَ مُنَاجَاتِي؟» فَأَعْظَمُ عقوبات المعاصي حرمانُ لَذَّةِ الطَّاعات.
ولذا يتساءل الكثيرُ: لماذا لا يعاقبني الله وأنا أَعْصِيهِ؟ لأنَّه واقعٌ تَحْتَ أقسى ألوان العقوبات، فهو لا يشعر، فهوأَسِيرُ نَفْسِه و هواه.
وما ضرب الله عبدًا بعقوبةٍ أَشَدَّ مِنْ قَسْوَةِ القلب؛ وهي أَنْيَعْرِفَ الحَقَّ ولا يتَّبعه.
وهناك عقوباتٌ باطنةٌ قد لا يشعر العَبْدُ بها، ولو شَعَرَ العَبْدُ بالعقوبة، لَرَجَعَ عن غَيِّهِ.