فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 581

ومن صُوَرِ عقوبات الله للعبد ألاَّ يَجْعَلَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظًا، ومن لم يَكُنْ له مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ، لم تنفعه المواعظ.

ومن كان له من نفسه واعظ، كان عليه من الله حافظ.

هناك من يفعل ما يفعل من المعاصي وكأنَّه لا يفعل شيئًا؛ لا يَأْتِيهِ قَلَقٌ ولا أَرَقٌ ممَّا يَفْعَلُ.

انظروا كيف دلَّ قولُ الرَّجل الذي وَقَعَ على أهله في نهار رمضان: «هلَكْتُ» - وفي رِوَايَةٍ احْتَرَقْتُ، وفي رِوَايَةٍ يا وَيْلاهُ وفي روايةٍ يَضْرِبُ صَدْرَهُ، وفي روايةٍ يشدُّ شَعْرَهُ - كلُّها تدلُّ على النَّدَمِوالحُرْقَةِ في القلب.

ومتى قسى القلبُ، أَخْرَسَ اللهُ هذا الواعظَ الذَّاتيَّ في القلب.

وكلَّما غَفَلَ الإنسانُ عن مُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ، وَغَفَلَ عن ذِكْرِ الله، والقيام بحقِّه، وَأَقْبَلَ على حظوظِ نَفْسِهِ وَشَهَوَاتِهَا، وَغَفَلَ عن الآخرة وعن الموت، قَسَتْ قلوبُهُم، وزيَّن لهم الشَّيطانُ ما كانوا يعملون.

قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} أي: الخَارِجِينَ عن طاعة الله.

لمَّا أَمَرَهُمْ بالتَّقْوَى ونهاهم عن التَّشبُّهِ بأهل الغفلة، بَيَّنَ بعدَها المُقَارَنَةَ بين الفَرِيقَيْنِ؛ بَيْنَ مَنْأطاع اللهَ وَبَيْنَ من عصى الله، وأنَّه لا يستوي النَّعِيمُ والعذابُ، وَذَكَرَأَخَصَّ صِفَاتِ أَهْلِ الجنَّة، وهي التَّقْوَى.

وأخصُّ صِفَاتِ أهل النَّار الغَفْلَةُ؛ حَكَمَ بالفَوْزِ لأَهْلِ الجنَّة، والخسارة لأهل النَّار.

قوله: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ} .

وهم الفاسقون الخاسرون النَّاسون لربِّهم؛ {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} فَانْحَسَرَتْ فِيهِم الخسارةُ الَّتي لا تُعَوَّضُ.

قوله: {وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} .

حَكَمَ لأهل الجنَّة بالفوز؛ {فمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} .

قوله: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} .

هنا أَشَارَ - سبحانه- إلى عظمة هذا القرآن الَّذي أوحاه إلى نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - لِكَوْنِ الغاية العظمى في الهداية والتَّذكير، ومع ذلك لم ينتفعوا.

ففي هذه الآَيَةِ مَثَلٌ رَائِعٌ وَبَلِيغٌ ضَرَبَهُ اللهُ في قَسْوَةِ قَلْبِ الفاجر الَّذي لا يتأثَّر بالقرآن، وبما فيه من الوَعْدِ والوعيد، وما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم.

هذا القُرْآَنُ الَّذي لو خُوطِبَ به جَبَلٌأصمُّ لتأثَّر، وقلب الفاجر لا يتأثَّر، فصارت قلوبُهم أقسى من الجبال الصُّمِّ. {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} .

ونظيرُ هذه الآية: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} .

والمعنى: لو أنّكتابًا مقروءًا كان مِنْ وَظِيفَتِهِ أن يفعل ذلك، لكان هذا القرآن؛ لِكَوْنِهِ الغَايَةَ القُصْوَى في الهداية والتَّذكير، والنِّهَايَةَ العظمى في التَّرغيب والتَّرهيب.

خَتَمَ السُّورَةَ بالثَّناء على الله، وَذِكْرِ أسمائه الَّتي تَدُلُّ على عظمته، وتُوجِبُ خَشْيَتَهُ؛ فَمَنْ عَرَفَ اللهَ هَابَهُ.

وأسماءُ الله وصفاتُه تَدُلُّ على عظمته، وأسماءُه حَسَنَةٌ، وهي الَّتي بَلَغَتْ في الحُسْنِ غَايَتَهُ، وفي الكمال نِهَايَتَهُ، وأسماءُه- سبحانه - لها صِفَاتٌ، ولها آَثَارٌ، ولها متعلِّقاتٌ، وليست مِثْلَأَسْمَاءِ المخلوقين.

فبعضُ النَّاس اسمُه صَالِحٌ، وهو من أَفْجَرِ النَّاس؛ فاللهُ إذا قُلْتَ رَحِيمٌ فَهُوَ رَحِيمٌ، وإذا قُلْتَ خَالِقٌ فهو خالقٌ.

فاللهُ عَرَّفَنَا على نَفْسِهِ بآياته ومخلوقاته، فهذا الكونُ الفَسِيحُ يدلُّ على وجود اللهِ، ويدلُّ على عَظَمَتِهِ، ويدلُّ على حِكْمَتِهِ، ويدلُّ على كَثِيرٍ من أسمائه وصفاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت