فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 581

ثمَّ بعد أن عَرَّفَنَا على نفسه بَيَّنَ لنا أنَّه ليس مِثْلَهُ شَيْءٌ؛ فالله عَظِيمٌ في ذَاتِهِ، وَعَظِيمٌ في أسمائه وصفاته، وَعَظِيمٌ في مفعولاته.

واللهُ متَّصِفٌ بِصِفَاتِ الجمال والكَمَالِ، وَمِنْ عَظَمَتِهِ - سبحانه- {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} . ومع هذا كلِّه، ما عظَّمنا اللهَ حقَّ تعظيمه، وما قَدَرْنَاهُ حقَّ قَدْرِهِ.

ومعأنَّ اللهَ مُتَّصِفٌ بصفات الكمال والجمال وأنَّه عظيمٌ ليس كمثله شيء، انظروا إلى الأَعْوَرِ الدَّجَّال حينما يدَّعي الرُّبوبيَّةَ هل تنطبق صفاتُه على صفات الله؟!

-أوَّلًا: إنَّه أَعْوَرُ، وإنَّ ربَّكم ليس بأعور، فكيف يصدِّقه من يصدِّقه لو أُعْطِيَ ما أُعْطِيَ من المعجزات؛ فإنَّ الإنسانَ إذا عرف ربَّه حقَّ معرفته، عَظَّمَ اللهَ حَقَّ تعظيمه؛ فَمَنْ عَرَفَ الله عَلِمَ أنّالدَّجَّالَ كَاذِبٌ؛ فبديهتُه تُنْبِئُهُ بالخبر.

اللهُأَجْرَى على يديه هذه الآيات ليعلمَ من يَصْدُقُهُ ومن يَكْذِبُهُ، وَيَمِيزَ اللهُ الخبيثَ من الطَّيِّب؛ فقد بيَّن لنانبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - علامةً تدلُّ على كذبه في دعواه، وهي أنَّه أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، وإنَّ ربَّنا ليس بأعور.

وربُّنا له عينان - سبحانه - تَلِيقُ بِجَلَالِهِ وعظمته؛ ففي الحديث عند ابن خزيمة في كتاب التَّوحيد «أنَّ العَبْدَ إذا قام إلى الصَّلاة بين عَيْنَيِ الرَّحْمَنِ» .

وعند البيهقيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِر: سمعتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على المِنْبَرِ يَقُولُ: «إنَّ رَبَّنَا سَمِيعٌ بَصِيرٌ» . وَأَشَارَ إلى عَيْنَيْهِ.

فالمسيحُ الدَّجَّالُأَجْرَى اللهُ على يَدَيْهِ خَوَارِقَ؛ يَقُولُ للسَّمَاءِأَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ، وللأرض أن تُنْبِتَ فَتُنْبِتَ، ويمرُّ على الخَرِبَاتِ فيقول: أخرجي كنوزَك، فَتَتْبَعَهُ مِثْلَ يَعَاسِيبِ النَّحْلِ.

وكلُّها اختبارٌ من الله للعباد، وليست هذه الأمورُ مِنأفعاله، إنَّما أجراها اللهُ على يَدَيْهِ امتحانًا؛ {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} .

فهذه الأشياءُ لَيْسَتْ بِأَمْرِهِ، إنَّما بِأَمْرِ الله؛ فإذا قال للأرض: أَنْبِتِي، فهل تُنْبِتُ بِأَمْرِهِ؟ هذه الأمورُ في الحقيقة يُجْرِيهَا اللهُ على يَدَيْبعض العباد؛ لِيَخْتَبِرَ من يَصْدُقُ وَمَنْ لا يَصْدُقُ.

الآنَ السَّحَرَةُ والكَهَنَةُ والعرَّافون والدَّجَّالون يذهب إليهم ويصدِّقهم ضَعِيفُ الإيمان، والمؤمنُ يَعْلَمُ دَجَلَهُمْ وَكَذِبَهُمْ وأنَّهم ليسوا بِشَيْءٍ.

فمسيحُ الضَّلالة جُعِلَ فيه عُيُوبٌ تَدُلُّ على كَذِبِهِ؛ فهو مُشَوَّهٌ نَاقِصٌ؛ فهو رَجُلٌ شابٌّ، أحمرُ، قصيرٌ، أفحجُ، جَعْدُ الرَّأس، أجلى الجبهة، عَرِيضُ النَّحْرِ، ممسوحُ العَيْنِ اليُمْنَى كأنَّها عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، وعينُه اليسرى عليها ظَفْرَةٌ - لَحْمَةٌ تَنْبُتُ عِنْدَ المَآَقِي - غَلِيظَةٌ، واللهُ - سبحانه - مُتَّصِفٌ بصفات الكمال والجمال.

وقد خَلَقَ اللهُ المَسِيحَيْنِأَحَدُهُمَا ضدُّ الآخر؛ فالمسيحُ عيسى ابنُ مَرْيَمَ الصِّدِّيقُ، مسيحُ الهُدَى، يُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ، ويحيي الموتى بإذن الله، فحينما أجرى اللهُ على يَدَيْهِ هذه الآيات هل عيسى ابنُ مَرْيَمَ تُعْتَبَرُ هذه قدرتُه أم أجراها اللهُ على يَدَيْهِ؟

هل هو الَّذي خَلَقَهَا وَأَمَرَهَا وأحياها أم قَيَّدَهَا بإذن الله في كلِّ خَصْلَةٍ؟

وقد ضلَّت أُمَمٌ بسبب هذه الآيات إلى يومنا هذا، وانقسم النَّاسُ فيه إلى ثلاثة أَقْسَامٍ:

-فَقِسْمٌ عَادَوْهُ.

-وَقِسْمٌ غَلُوا فيه، وَيُؤْمِنُ وَيَظُنُّ أَنَّعِيسَى عِنْدَهُ قُدْرَةٌ على الخَلْقِ، ولم يعلم أنَّه قيَّدها بإذن الله - أي بأمر الله - وكلُّ شَيْءٍ تفعله هو بإذن الله؛ فليس لأَحَدٍ تَصَرُّفٌ في هذا الكون البَتَّةَ؛ {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} .

-وَقِسْمٌ اتَّبَعُوهُ.

ولذلك مسيحُ الهُدَى أَعْلَنَ دَعْوَتَهُ: {إنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت