والمسيحُ الدَّجَّالُ هو المشوَّهُ الضِّلِّيلُ الكذَّابُ، مَسِيحُ الضَّلالة، يَفْتِنُ النَّاسَ بِمَا يُعْطَاهُ مِنَ الآيات؛ كإنزالِ المَطَرِ، وإحياء الأرض بالنَّبات، وغيرهما مِنَ الخوارق.
فيدَّعي الألوهيَّة والرُّبوبيَّة، وأكثرُ أَتْبَاعِ الدَّجَّال من اليهود، والعَجَمِ، والتُّرْكِ، وأخلاطٍ من النَّاس غالبُهم الأَعْرَابُ والنِّساءُ.
أمَّا كَوْنُ الأعراب يتَّبعون الدَّجَّال، فلأنَّ الجَهْلَ غَالِبٌ عليهم، أمَّا النِّساءُ لِسُرْعَةِ تأثُّرِهنَّ وغَلَبَةِ الجهل عليهنَّ.
وهناك دليلٌ ثالثٌ: اللهُ - سبحانه - حينما ينادي المنادي يَوْمَ القيامة: «مَنْ كان يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فيبقى صنفان من النَّاس - وهم المؤمنون والمنافقون - فيسألهم اللهُ: كيف تعرفون ربَّكم ولم تَرَوْهُ؟ فقالوا: {ليس كمثله شيء} » فاللهُ لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ من خَلْقِهِ، وَمَسِيحُ الضَّلالَةِ يُشْبِهُ النَّاسَ. أصله في الصحيحين.
وكلُّ ما في الأمر: أن اللهُ - سبحانه - مُنَزَّهٌ عن كلِّ عَيْبٍ وَمُنْقِصٍ ومُتَّصِفٌ بصفات الجمالوالكمال، وَقَدْأَثْنَى على نَفْسِهِ - سبحانه - في هذه الآيات العظيمة.
قوله: {هُوَ اللَّهُ} .
أي: ذو الأُلُوهِيَّةِ والعبوديَّة على جَمِيعِ خَلْقِهِ، ذَكَرَهَا ابْنُ جَرِيرٍ؛ فهو- سبحانه - المَأْلُوهُ المَعْبُودُ الَّذي تَأْلَهُهُ القلوبُ وَتُجِلُّهُ وَتُعَظِّمُهُ، وَمِنْ ثَمَّ عَرَّفَ - سبحانه - نَفْسَهُ لِمُوسَى - عليه السلام: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} اللهُ عَلَمٌ على ذاته، ولا يجوز أن يتسمَّى به غَيْرُهُ.
قوله: {الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} .
أي: لا يستحقُّ العِبَادَةَ إِلاَّ هو؛ لأنَّه المَأْلُوهُ بِحَقٍّ؛ فهو الخالقُ الرَّازقُ المدبِّرُ، وما سِوَاهُ مَأْلُوهٌ بَاطِلٌ.
قوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} .
عِلْمُهُ مُحِيطٌ بكلِّ شَيْءٍ؛ بما يشاهد، وما غاب من الأمور، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بما في القلوب؛ فهو عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
وَمُخْتَصَرُ القَوْلِ: عِلْمُهُ مُحِيطٌ بكلِّ شيءٍ ظهر أو غاب.
قوله: {هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} .
اسمانِ مِنْ أَسْمَائِهِ يتضمَّنان صفةً من صفاته، وهي الرَّحْمَةُ؛ فالرَّحْمَنُ والرَّحِيمُ اسْمَانِ، والرَّحمةُ صِفَةٌ.
وفي الدُّعاءِ: «يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا» . رواه الطبراني و المنذري في الترغيب و حسنه الألباني في صحيح الترغيب.
قوله: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} كرَّرها للتَّأكيد.
قوله: {الْمَلِكُ} ، المُلْكُ الشَّامِلُ المُطْلَقُ الباقي والدَّائِمُ والَّذي لا يُشَارِكُهُ فيه أَحَدٌ، والمتصرِّفُ فيه بلا ممانَعةٍ ولا مُدَافَعَةٍ.
وَمُلْكُ النَّاس مؤقَّتٌ وَضَعِيفٌ وَمِنْحَةٌ من الله، وسيؤخذ منه.
فالمَلِكُ هو المَالِكُ لكلِّ شَيْءٍ المتصرِّفُ فيه بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ، والمَالِكُ المُتَصَرِّفُ بِفِعْلِهِ.
فمن عَرَفَ ربَّه أنَّه المَلِكُ عَرَفَ أنَّمَا دُونَهُ مَمْلُوكٌ.
قوله: {ا الْقُدُّوسُ} .
أي: المقدَّس والمطهَّر والمعظَّم والمنزَّه عن كلِّ عَيْبٍ ونقصٍ، والمتَّصفُ بكلِّ أنواع الكمال، وهو المستحقُّ للتَّقْدِيسِ والعَظَمَةِ والجَلالِ.
يقال: «بَلَدٌ مُقَدَّسٌ» أي: مطهَّرٌ مُعَظَّمٌ.