قوله: {وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} .
هنا بَيَّنَ سَبَبَ عَدَمِ موالاتهم كُفْرَهُم بالإسلام، وهم يعلمون أنَّه الحقُّ، ولكن حَمَلَهُمُ الكِبْرُ والحَسَدُ على الكفر.
قوله: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ} .
هذا السَّبَبُ الثَّاني؛ يُخْرِجُونَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؛ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإيمان بالله.
قوله: {إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي} .
أي: لا يَجْتَمِعُ في قَلْبٍ وَاحِدٍ الخروجُ في سبيل الله وَطَلَبُ مَرْضَاةِ الله، وَمَوَدَّةُ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ أَجْلِ دِينِهِ وهو عدوٌّ لله وعدوٌّ لرسوله؛ فلا محلَّ للمودَّة بينهم وبين المشركين.
قوله: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} .
تَفْسِيرٌ وَتَوْضِيحٌ لهذه الموالاة الَّتي نُهُوا عنها.
أي: تُخْفُونَ لهم المَحَبَّةَ والمُنَاصَرَةَ.
قوله: {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ} .
أي: وأنا العَالِمُ بالسَّرَائِرِ والضَّمَائِرِ والظَّواهر والبواطن. وما دَامَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، فكيف أَبَاحَ بَعْضُكُمْ لِنَفْسِهِإِخْبَارَ الكفَّار والله مُطْلِعٌ رَسُولَهُ على ذلك؟
قوله: {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ} .
أي: اتَّخذهم أولياءَ؛ أَيْ: خُلَصَاءَ وأحبَّاءَ وأنصارًا.
قوله: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} .
أي: جار عن السَّبيل الَّذي جعله اللهُ هدًى ونجَّاه.
ثمَّ خَتَمَ - سبحانه - الآَيَةَ الكَرِيمَةَ ببيان سُوءِ عَاقِبَةِ من يُوَالِيهِمْ. انه حاد عن طريق الهداية.
ثمَّ بَيَّنَ - سبحانه-بعد ذلك حَقِيقَةَ عدائهم وما يُضْمِرُونَ من الشَّرِّ والكيد.
-أوَّلًا: قوله: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً} .
أي: إِنْيَظْفَرُوا بكم؛ يكونوا عليكم حربًا، ويُظْهِرُوا لكم ما انْطَوَتْ عليه قلوبُهم نَحْوَكُمْ مِنْ بَغْضَاءَ.
أي: لو قَدَرُوا عليكم، لَمَا اتَّقوا فيكم.
-ثانيًا: قوله: {وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ} .
ويمدُّوا إليكم أيديهم بالقتل والضَّرب، وألسنتَهم بالسَّبِّ والشَّتْمِ، فينالوا منكم بالمَقَالِ والفِعَالِ.
وهذه طَبِيعَةُ الكفَّار دائمًا، ولو أظهروا من التَّسامح ما أظهروا؛ فلا يتخلُّون عن طبيعتهم.
قوله: {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} .
أي: يتمنُّون لو يردُّوكم بعد إيمانكم كافرين. وهذاأشدُّ من كلِّأذًى.
في هذه الآية بَيَّنَ أنَّالكفَّارَ سَلَكُوا في عداوتهم للمؤمنين كلَّ مَسْلَكٍ؛ عِنْدَ تَمَكُّنِهِمْ من المؤمنين يَكُونُون عليهم حربًا، وَيُظْهِرُون حِقْدَهُمْ، وينالون منهم بالفعال والمقال، ويتمنُّون على كلِّ حَالٍ لو يكفرون مثلَهم.
قوله: {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .
يا مَنْ تُوَالُونَ الكفَّارَ خَوْفًا على أقاربكم، لن تنفعكم قراباتُكم يَوْمَ القيامة؛ ففي هذا اليوم يفرَّق بينكم؛ لأنَّ العُرْوَةَ الَّتي تَرْبِطُكُمْ مَقْطُوعَةٌ، فتنقطعَ في الآخرة كلُّ العلائق والأنساب والأسباب، ولا يَبْقَى إلاَّ سَبَبُ الإيمان والعمل الصَّالح.
هنا بيَّن- سبحانه-أنَّه لا تُسَاوِمْ على دينك، ولا تُدَاهِنْ في دينك أحدًا، ولا تتنازل عنه لأيِّ سببٍ كان.
فإنَّ الَّذينَ تُدَاهِنُونَمن الكفَّارَ سَوَاءٌ كانوا أرحامًا أو أولادًا لن ينفعوكم يوم القيامة؛ لأنَّ العُرْوَةَ مَقْطُوعَةٌ.
قوله: {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} .