فيها بَيَانُ عَدَمِ نَفْعِ الأَرْحَامِ والأولاد في ذلك اليوم. ومعنى {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} يَفْرِقُ بينكم؛ فَيُدْخِلَ أَهْلَ طَاعَتِهِ الجنَّة، وَيُدْخِلَ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ النَّارَ، وافتراقٌ لا اجتماعَ بعده؛ فاجتماعُ الأُسْرَةِ في الجنَّة مشروطٌ بالإيمان، وإذا لم يَكُنْ إِيمَانٌ فالعُرْوَةُ مَقْطُوعَةٌ.
قوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .
تَأْكِيدٌ لِمَا سَبَقَ بأنَّ جَمِيعَأعمالكم اللهُ مُطَّلِعٌ عَلَيهَا؛ سَوَاءٌ كانت ظاهرةً أَوْ خَفِيَّةً.
وفيها بِشَارَةٌ للمؤمن بأنَّه - تعالى - مُطَّلِعٌ عليه، وفيها تخويفٌ للفاجر؛ فاللهُ مطَّلعٌ عليكم، وسوف يحاسبكم، وسيجازيكم يوم القيامة بما تستحقُّونه من ثوابٍ أو عقابٍ.
-فيها فوائد ودروس:
منها نهي الله المؤمنين عن موالاة أعدائه وأعدائهم، ومنها أنَّه ساق لهم الأسبابَ الَّتي تَحْمِلُهُم على قَطْعِ كلِّ صِلَةٍ بهؤلاء الأعداء؛ كَوْنَ هؤلاء الأعداء قد كفروا بالحقِّ، وَإِخْرَاجَ الرَّسول والمؤمنين من ديارهم، وأنَّهم لو تمكَّنوا من المؤمنين، فَسَيُنْزِلُونَ بهم الأذى بالمقال والفعال.
قوله: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} .
لمَّا نهى المؤمنين عن موالاة الكفَّار، وَذَكَرَ الأسبابَ الموجبةَ لِقَطْعِ الصِّلَةِ بالكفَّار، ذَكَرَ لَنَا قُدْوَةً نقتدي ونتأسَّى بها في عقيدة الولاء والبراء، وهو إبراهيم - عليه السلام - ومن معه في تعاملهم مع الكفَّار؛ فقد تبرأ من كلِّ صِلَةٍ تَرْبِطُهُ بِغَيْرِهِ سِوَى صلة الإيمان، وتجرَّد لعقيدته وَحْدَهَا.
وفيها اتِّصَالُ هذه الأمَّة بأوَّل أمَّة التَّوحيد؛ فقد خرج إبراهيمُ - عليه السلام - بَيْنَأمَّةٍ كلُّها تكفر بلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَعَادَوْهُ مِنْأَجْلِهَا، وَآَذَوْهُ حتَّى رُمِيَ في النَّارِ، ثمَّ خَرَجَ من وطنه من أجل لا إله إلاَّ اللهُ؛ فترك الأهل والقرابة، فعوَّضه اللهُ بأرضه الأرضَ المقدَّسة، وعوَّضه في أَهْلِهِ ذُرِّيَّةً مباركةً؛ فصاحبُ لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ لا يَخِيبُ.
ثمَّ امتحنه اللهُ بالهجرة إلى مكَّة، وَوَضْعِهِ ذُرِّيَّتَهُ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ.
قوله: {قد كانت لكم أسوة حسنة} .
الأُسْوَةُ معناها القُدْوَةُ، وذلك في الولاء والبراء وفي الدِّين كلِّه.
فَفِيهِ الأُسْوَةُ؛ فقد تَرَكَ أَهْلَهُ وَوَطَنَهُ مِنْ أَجْلِ لا إله إلاَّ الله، وتجرَّد لعقيدته وَحْدَهَا.
فليس الأَمْرُ جَدِيدًا؛ فقد مرَّت هذه التَّجْرِبَةُ الَّتي يعانيها المسلمون المهاجرون بإبراهيم - عليه السلام -، وفيه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
قوله: {حسنة} لأنَّ القُدْوَةَ على قسمين؛ حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ، وإبراهيمُ قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ.
ثمَّ بَيَّنَ بعدها بماذا تكون الأُسْوَةُ.
قوله: {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَىؤا مِنْكُمْ} .
البَرَاءَةُ معناها قَطْعُ صلة المحبَّة والنُّصْرَةِ للكفَّار؛ أي: حِينَأعلنوا لقومهم الكافرين صراحةً وإعلانًا بدون مداهنةٍ وبكلِّ شجاعةٍ وقوَّةٍ؛ فَأَعْلَنُوا لهم البراءةَ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.
فلا يَصْلُحُ أن تكون العَدَاوَةُ والبغضاء سِرِّيَّةً، بل تَكُونُ ظاهرةً، ونصارحهم بها، وَنُعْلِنُهَا.
فلا يَتِمُّ تَوْحِيدُ العبد إلاَّ بالبراءة من الشِّرك وَأَهْلِهِ؛ صَرَّحَإبراهيمُ؛ {إِنَّا بُرَأَىؤا مِنْكُمْوَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ} .
ويصرِّح لهم بذلك وفي كلِّ مكانٍ؛ فأين الَّذين يقولون: «لا تعلنوا هذا، ولا تنفِّروا النَّاس؛ حتَّى لا تشوِّهوا الإسلام» ؟
قوله: {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} .
البَرَاءَةُ تَكُونُ مِنَ الكفَّار، وَمِنْ دِينِهِمْ ومعبوداتهم وعباداتهم.