فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 581

قالوا: بلى، اللهُ ورسولُه أَمَنُّ وَأَفْضَلُ. ثمَّ قال: «أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ؟» قَالُوا: بماذا نُجِيبُكَ يا رسولَ الله؟ لله ولرسولِهِ المَنُّ والفَضْلُ.

«أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالبَعِيرِ، وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَا مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ. اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ» . رواه البزرا و أصله عند البخاري و مسلم.

قوله: {بَلِاللَّهُيَمُنُّعَلَيْكُمْأَنْهَدَاكُمْلِلْإِيمَانِ} .

أي: كونُ الإنسان يُسْلِمُ وَيُؤْمِنُ وَيَعْمَلُ الخيرَ؛ فالمِنَّةُ لله وَحْدَهُ؛ فَفِي الحَدِيثِعن أَبِي ذَرٍّ: «مَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّإِلاَّ نَفْسَهُ» . رواه مسلم.

-مَلْحَظٌ مُهِمٌّ: فيه نَهَى عن تزكية المرء نفسَه؛ فَلا يَدْرِي أَقُبِلَ عَمَلُهُأَوْ لايُقْبَلُ؟ وهل عملُه صَالِحٌأو غَيْرُ صَالِحٍ؟

فتزكيةُ النَّفْسِ مَذْمُومَةٌ، وَدَاخِلَةٌ في عموم الآية، وكان أبو بَكْرٍإذا أُثْنِيَ عليه يَقُولُ عَلَنًا: «اللَّهمَّ لاتؤاخذني بما يَقُولُونَ، وَاغْفِرْ لِي مالا يعلمون، واجعلني خَيرًا ممَّا يظنُّون» .

وَتَزْكِيَةُ المَرْءِ نَفْسَهأو لغيره مَنْهِيٌّ عنها إلاَّ فيما يحتاج إليه، ولايجوز تزكيةُ من لايُعْلَمُ حالُه.

شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بشهادةٍ فقال عُمَرُ: لَسْتُأَعْرِفُكَ، ولا يضرُّك أنِّي لا أعرفك، فَائْتِ بِمَنْ يعرفك. فقال رجلٌ من القوم: أنا أعرفه.

فقال عمر: بأيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟ فقال: بالعدالة والفضل. فقال عمر: هل هو جارك الأدنى فتعرف مخرجَه ومدخلَه؟ قال: لا.

فقال: هل تعاملتَ معه بالدِّينار والدِّرهم اللَّذَيْنِ يُعْرَفُ بهما الوَرَعُ؟ فقال: لا. فقال: فهل رافقتَه في السَّفر الَّذي يستدلُّ به على مكارم الأخلاق؟ فقال: لا. فقال: لَسْتَ تَعْرِفُهُ.

فلا يَجُوزُ التَّزْكِيَةُإلاَّ عِنْدَ الحاجة الشَّرعيَّة، وَلِمَنْ يُعْرَفُأنَّه يستحقُّ لذلك.

التَّزكيةُ ليست من باب المجامَلات، ولا مِنْ باب التَّعاطف، وهي تدخل في الشَّهادة، وقد تكون زُورًا.

وَمِنْ علامات آَخِرِ الزَّمان أَنْ يُقالَ للرَّجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْإِيمانٍ.

واليومَ كَثُرَ في النَّاس الثَّناءُ على بعضِهم بعضًا، وينبغي التَّفريقُ بين الثَّناء والتَّزكية وبين الدُّعاء.

قوله: {إِنَّاللَّهَيَعْلَمُغَيْبَالسَّمَوَاتِوَالْأَرْضِوَاللَّهُبَصِيرٌبِمَاتَعْمَلُونَ}

خَتَمَ السُّورةَ بِعِلْمِهِ بجميع الكائنات، وَبَصَرِهِ بأعمال المخلوقات؛ لأنَّهم ادَّعوا لأنفسهم الإيمانَ، أمَّا علمالله فعلمه مُحِيطٌ بكلِّ شَيْءٍ، وأمَّا أن يَكُونَ قَصْدُهُمُ المِنَّةَ على رسول الله وأنَّهم قد بذلوا وفَعَلُوا، فَخَتَمَ اللهُ هذه السُّورةَ بِسَعَةِ اطِّلاعه على جميع الكائنات، واطِّلاعه على جميع أعمالهم، فيجازيهم بها.

تمت هذه السُّورةُ، فللَّه الحمدُأتمُّه وأكملُه وأعظمُه على أَتَمِّ ما يكون الحَمْدُ، كما ينبغي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ.

اللَّهمَّإنَّه أيقن قلبي أن لا أستطيع أن أقول قولًاأو أَنْ أَفْعَلَ فِعْلًاإلاَّإذا أَذِنْتَ، فلك الحمدُأوَّلًا وآخرًا وظاهرًاوباطنًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت