قوله: {وَلَمَّايَدْخُلِالْإِيمَانُفِيقُلُوبِكُمْ} ؛ أَيْ: لَمْ تَصِلُوا إلى حَقِيقَةِ الإيمان بَعْدُ؛ لأنَّهم أَسْلَمُوا خَوْفَ القَتْلِ والسِّبَاءِ، ولكنَّهم قَرِيبٌ من الدُّخول؛ فالإيمانُ ليس بالتَّمنَّي ولا بالتَّحلِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ في القلب، وَصَدَّقَتْهُ الأعمالُ.
لأنَّ كَلِمَةَ «لَمَّا» رَجَاءٌ؛ يعني: وسيدخل الإيمانُ في قلوبهم في المستقبل. وفيه بِشَارَةٌ لهم، وقد حَصَلَ ما وَعَدَ اللهُ، فَحَسُنَإِسْلَامُهُمْ، وَجَاهَدُوا في سبيل الله، وَتَكَامَلَ الإيمانُ فيما بَعْدُ.
قوله: {وَإِنْتُطِيعُوااللَّهَوَرَسُولَهُلَايَلِتْكُمْمِنْأَعْمَالِكُمْشَيْئًا} .
أي: لايُنْقِصُكُم من أجوركم شيئًا؛ فلا تخافوا على حسناتكم، ولا على أجوركم، حتى تدَّعوا هذه الدَّعوى.
وهذا كلُّه تطمينٌ للمؤمن؛ فالأعمالُ كلُّها محفوظةٌ، فاعمل، ولا تَخَفْ ظلمًا، ولا هَضْمًا.
قوله: {والله غفور رحيم} ؛ لِمَنْ تَابَ وَأَنَابَ.
قوله: {نَّمَاالْمُؤْمِنُونَالَّذِينَآَمَنُوابِاللَّهِوَرَسُولِهِثُمَّلَمْيَرْتَابُواوَجَاهَدُوابِأَمْوَالِهِمْوَأَنْفُسِهِمْفِيسَبِيلِاللَّهِأُولَئِكَهُمُالصَّادِقُونَ} .
لمَّا أَنْكَرَ على الأعراب وردَّ عليهم بأنَّهم لم يؤمنوا، بَيَّنَ هاهنا حقيقةَ الإيمان، وأنَّ المؤمنين الكُمَّلَ هم من صدَّقوا بقلوبهم، وَنَطَقُوا بألسنتِهم، وَعَمِلُوا بجوارِحِهِمْ، فَبَاشَرَ الإيمانُ قلوبَهم، فلم يَبْقَ فيه رَيْبٌ ولا تردُّدٌ ولا شكٌّ، وصدَّقوا ذلك بِبَذْلِأموالهم وأنفسهم في سبيل الله من أَجْلإعلاء كلمة الله، وإعزاز دين الله.
وَمَنْ عِنْدَهُ رَيْبٌ فلا يَبْذُلْ، ويتأخَّر عن المعركة.
قوله: {أولئك هم الصادقون} ؛أي: في إيمانهم وقولهم إذا قالوا آمنَّا.
قوله: {قلْأَتُعَلِّمُونَاللَّهَبِدِينِكُمْوَاللَّهُيَعْلَمُمَافِيالسَّمَوَاتِوَمَافِيالْأَرْضِوَاللَّهُبِكُلِّشَيْءٍعَلِيمٌ} .
لأنَّ الأعرابَ لمَّا ادَّعوا الإيمانَ كأنَّهم يخبرون الله بدينهم، فردَّ اللهُ عليهم أنَّهُ يَعْلَمُأَعْظَمَ من ذلك؛ فلا يَخْفَى عليه مِثْقَالُ ذَرَّةٍ في الأرض، ولا في السَّماء، ولا أَصْغَرُ من ذلك ولا أَكْبَرُ في السَّماوات والأرض، ويعلم ما في قلوبهم من الإيمان، ويعلمإن كانوا مؤمنين أو غَيْرَ مؤمنين.
قوله: {والله بكل شيء عليم} .
قوله: {يَمُنُّونَعَلَيْكَأَنْأَسْلَمُواقُلْلَاتَمُنُّواعَلَيَّإِسْلَامَكُمْبَلِاللَّهُيَمُنُّعَلَيْكُمْأَنْهَدَاكُمْلِلْإِيمَانِإِنْكُنْتُمْصَادِقِينَ} .
نَهَى اللهُ الأَعْرَابَ أن يَمُنُّوا على رسول الله إسلامَهم؛ لأنَّهمإن أسلموا فالمصلحة لهم، وإن لم يُسْلِمُوا فالمضرَّةُ عليهم، واللهُ غَنِيٌّ عنَّاإِنْأَطَعْنَاهُ، وَإِنْ عَصَيْناه؛ {إَنْتَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللهَ لَغَنِّيٌ حَمِيد} .
وَسَبَبُ نزول هذه الآية كما أخرج البزَّارُ عن ابن عبَّاس قال: «جاءت بنو أَسَدٍ إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقالوا: يا رسولَ الله، أَسْلَمْنَا وَقَاتَلَتْكَ العربُ، ولم نُقَاتِلْكَ.
فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ فِقْهَهُمْ قَلِيلٌ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ» . وَنَزَلَتْ هذه الآَيَةُ. رواه البزار و الطبراني في الأوسط.
كما قال نَبِيُّنَا للأَنْصَارِ يَوْمَ حُنَيْنٍ حينما وَجَدَ عليه الأَنْصَارُ؛ لِحِرْمَانِهِمْ، فاسترضاهم رَسُولُ الله والسبب أنه لمَّا أعطى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما أعطى من تلك العطايا في قريش، وفي قبائل العرب، وَلَمْ يَكُنْللأنصار منها شَيْءٌ، وَجَدَ هذا الحيُّ من الأنصار في أنفسهم، حتَّى كثرت منهم القالةُ، حتَّى قال قائلهم: لقد لَقِيَ والله رَسُولُ الله قومَه.
فَدَخَلَ عليه سعدُ بنِ عبادةَ وأخبره فقال: فأين أنت من ذلك يا سعدُ؟ قال: يا رسولَ الله، ما أنا إلاَّ من قومي. قال: «فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الحَظِيرَةِ» . «مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا عَليَّ فِي أَنْفُسِكُمْ؟ أَلَمْ آَتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» .